وصلت 3

أعرضت عنها وسرحت بعيدًا في أفقها، أخذت تنظر على الناس في الشوراع والزرع الأخضر الذي يزين شرفتها، تنهدت بهدوء ولم تتحدث، الشاي انتهى في يدها بينما خيوط أفكارها لم تنتهي بعد.. مرّت الأيام فيما بعد ذلك تتوالى من يوم وفاة والدها، استعادت أمها وأختيها بعضًا من نفسهم التي فقدوها يوم إذًا. أمّا بتول فكانت تتجاهل مكالمات طبيبها التي لم تزل تتوالى عليها، قررت في صباح يوم أحدٍ أن تمرَّ على إحدى المكتبات القريبة من المدينة.

تذكرت تلك المكتبة ااتي كانت ترتادها في صغرها مع والدها، قررت الذهاب إليها علَّها تستعيد بعض الذكريات الصغيرة فتفرج ضيقتها مما حدث مؤخرًا. -عم محمد! إزيك يا راجل يا طيب. عم محمد لم يزل كما هو، الرجل العجوز الذي اتخذته الكتب حارسًا لها كما كان يخبرني دومًا وأنا صغيرة، المرة الأخير التي أتيتُ فيها للمكتبة كانت عندما كنت في المرحلة الثانوية. -بتول إزيك يا بنتي عاش مين شافك! اختفيتِ فين يا بنتي؟ دا حتى الكتب كانت بتسألني عنك.

ضحكت بعدما ختم كلامه بضحكته التي وضع عمره عليها بعضًا من لمساته وتعب واضحين في صوته، عم محمد وكتبه ورائحتهم القديمة. -إيه دا يا عم محمد؟ مدّ يده لها بكتاب مغلف بطريقة مميزة نوعًا ما. -الكتاب دا اعتبريه هدية مني ليكِ، الكتاب دا مميز زيك كنت محتفظ به عشانك، غلافه نطق أول ما جيتِ، كإنه كان مستنيكِ. طوال عمره مقتنع أن الكتب مثلنا، تتحدث تتنفس وتختار صاحبها، لم يقتنع يومًا أن اقتناء الكتب شيء عشوائي، اعتقاده الراسخ أنها هي التي تختار صاحبها، حديثا قد طال بعدما ودعته وسرت عادئة للمنزل.

ابتسمت من قلبي بعدما مرّ وقت طويل قد صاحبتني الهموم فيه، فتحت الكتاب وأنا أسير، مازال فضولي في لمس الورق واستنشاق رائحته إدمان يلازمني حتى الآن، فقت على أحد يمسك الكتاب ويغلقه فجأة: -مينفعش نمشي برضو في شارع زحمة زي دا وإحنا باصيين في الكتاب. لحظات مرت وأنا لازلت لا أستعب من هذا الرجل! وكما ظهر فجأة اختفي من أمامي في غمضة عين، رمشت قليلًا لم أكد أنطق بكلمة واحدة حتى! عدتُ مغيبة للمنزل وأنا لا أفهم بعد، حركت رأسي كي أنسى هذا التراهات، لابد أن شاب وقح فقط لا أكثر وكان يطاول عليها، لكن كيف اختفى هكذا فجأة؟

هزّت رأسها وحاولت أن تتفادى التفكير في الأمر، جلست بجاور النافذة ونظرت للسماء التي بدأت تمطر من جديد، أحضرت الكتاب وفتحته فوجدت ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط اليد. “أنا وقلبي وعيناي. جميعنا. وقعنا بك.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *