وصلت 3
**** خطت خطواتها الأولى هذه المرة ببطء وهي تتجه للخلف دون إحداث كلمة واحدة، لا شيء يُذكر عمّا تشعر به الآن، مرّ كل شيء أمامها بالتصوير البطئ. الصراخ والصراخ والصراخ لا شيء آخر، لم يلتفت لها أحد، توجهت لغرفتها بينما الجمع يهرول عكس اتجاهها، أغلقت الباب خلفها وجلست على الأريكة بقرب النافذة. أخذت تتابع بهدوء وتريث ما يحدث، أشرق فجر ذاك اليوم وهي ترى والدها يخرج من المنزل لا ماشيًا على قدميه بل محمولًا في كفنٍ ملفوف بالأبيض.
تمتمت بكلمات قليلة وهي تتحسس الزجاج ومشهد والدها يسير أمام عينها: -مات، مات قبل ما يسمعني.. أعادت رأسها للخلف، لِمَ لا تبكي؟ تحسست وجهها وعقدت حاجبيها وهي تفكر، أين الدموع؟ هناك مياه يجب أن تتساقط الآن بخفة من عينيها، قد مات أبيها، ماذا بعد؟ لا شيء. جلست أرضًا وهي تنظر بجوارها في المرآة القابعة أمامها، التي تظهر من ظلام غرفتها بصعوبة، فوجدت انعكاسها يضحك حتى أنه أمسك بطنه التي آلمته من كثرة الضحك، وأخذ يشير لها بسخرية:
-تريدين البكاء؟ رفعت وأخفضت رأسها عدة مرات وهي تنظر لنفسها في المرآة مؤكدة أنها بالتأكيد تريد ذلك، فأردفت الأخرى: -يبكي البشر لأن مشاعرهم تتحرك، تُدغدغهم، تؤلمهم، تنشرخ. لكن أنتِ أين من كل هذا، كيف تريدين البكاء؟ يبكي الإنسان لإنه يتألم، أنتِ أين من الألم؟ كيف لكِ أن تتدعي الكذب بعد كل هذا وتقولين أنكِ تشعرين! أنهى ضميرها كلماته ووقع من كثرة الضحك، وضعت يدها على رأسها تحاول كفّ هذه الأفكار، لكنه لم يكف عن الكلام وأكمل بسخريته:
-حتى وإن بكيتِ، أنتِ لا تبكين عليه أنتِ تبكين؛ لأنكِ لم تستطعي إخباره بشيء ما. ماذا كنتِ ستخبريه يا بتول؟ ها؟ ها؟ أكمل وهو يمثلها بسخرية وأداء فظ: -أبي العزيز أنت أحمق؛ لأنك متّ الآن دون أن تستمع إليّ. وضعت يدها على رأسها والصراخ قد تمكن منها، طرقات على الباب، ولا إجابة، كسرت المرآة، تمددت أسفل سريرها وهي تضم ساقيها لصدرها بخوف والكلمة تجلد عقلها ” يا بتول”. ترد بصوت خافت يعلو تدريجيًا:
، ..
مرّت الساعات والطرق مرة يزداد على الباب ومرة يسكن، لكنّ الأمران كانا سيّان بالنسبة لها، كل شيء ساكن حولها. مرّت ساعات أخرى بعد أن قامت وجلست مستندة بظهرها للخلف ورأسها بين ساقيها تتطلع بالشرفة. تسمع صوت القرآن بالخارج، الصراخ، صوت اطارات السيارات تحتك بالأرض وهي تصطف خارج المنزل، التعازي. هاتفها يعلو صوت رنينه كل مدى لكنها لا ترد على أحد، رفعت رأسها في مرة مع إحدى رناته وفتحت الاتصال، فآتها صوت رجل هادئ: -بتول.