وصلت 3
أغلقت الباب من الداخل، لا أحد يدخل لها لكن لا يهم بعضًا من الأمان أن أحدًا لن يزعجها، اقتربت من دولابها الصغير وحاولت دفعه بقامتها الصغيرة للأمام حتى استطاعت أن تزيحه قليلًا. أمسكت اللوحة والفراشة التي تخبئهم خلفها لكي لا تأخذهم منها السيدة فريدة، هي تحذرها كل مرةٍ ألا تفعل أو تحضر شيئًا دون إذنٍ منها. لا يهم الآن هي ليست هنا، وهذا شيء يدعو للراحة إلى حد ما، أعادت الدولاب الصغير لمكانه وهي تتنهد بصعوبة.
وضعت الأشياء على السرير ووقفت في منتصف الغرفة وهي تدور بها، وسط غرفة متهالكة من بعض الأخشاب المتأكلى التي تضمها الأرضية، السرير الصغير للغاية الذي إن جلست عليه بهدوء سيقع بها بسبب أرجله المتهالكة. ووسط كل هذا لا يصل للغرفة سوى بعض أشعة النور من هذه الشرفة الصغيرة في الناحية العليا بالغرفة، في بعض الأحيان تشعر انعا مسجونة حتى تبدأ بالدوران كما تفعل الآن. تطاير شعرها الأسود القصير حول رقبتها، وزي التنظيف الخاص بها تشعر وكأنها أميرة ترتدي فستان يتطاير حولها.
هدّأت من روعها وجلست على السرير لتستريح، بعد قليل أمسكت اللوحة وبدأت تخطو بفرشاة صغيرة، حديقة.. فتاة تتراقص هنا وهناك في حرية.. حتى تعود وتقع في حجر والدتها وتضحك. ساعة.. ساعتان.. ثلاث، نظرت للوحة بعدما انتهت منها، تفاصيل صغيرة تراودها في أحلامها منذ ان كانت صغيرة. وقفت من مكلنها واتجهت للدولاب، فتحته وأزاحت ملابسها لتظهر لوحات أخرى متشابهة تمامًا لتلك التي أنهتها لتوها، وضعت ما أنهتها بركن مخفي عن الأنظار بالغرفة -حتى لا يحدث ويراها أحد- حتى تجف الألوان.
أخرجت اللوحات الأخرى وجلست تشاهدهم وتتحسسهم، لِمَ لا ترى سوى هذا المشهد، من هذه المرأة في مخليتها، في بعض الاحيان كانت تظن أنها السيدة لكن لمسات اليد فيما تراه لا يمت لها بصلة أبدًا. هي باردة قاسية وتؤذيها دومًا ولا يحق لها الصراخ، أما تلك التي رأتها في أحلامها أكثر من مرة، لمساتها دافئة للغاية، حجرها التي تضع رأسها به تستطيع أن تطمئن فيه دون أن تفتح عيناها، تمسِّد شعرها وتجري وراها حين تلعب بمرح.
أعادت رأسها للوراء والسؤال ذاته يعيد نفسه، من هذه المرأة المكررة في أحلامها؟ تأوهت قليلًا بعد أن ضغطت على يدها دون قصد، نظرت للجرح العميق بها وهي تنفخ عليه علّ نيرانه تهدأ. وقفت أمام المرأة التي كسرت، حسنًا هي لم تكسرها كما يخيل للمرء بل هي حصلت عليها هكذا، السيدة تعطعيها كل ما هو قديم.. لا يصلح للاستعمال.. وممزق. مدّت يدها لعنقها وهي تتحسس الجروح الأخرى التي لم تكن سوى عقابًا لها من سيدتها، شعرها الطويل التي كانت تتراقص به فرحة، ها هي قد قصته لها منذ تسعة أشهر وهي تكتم بكاءها عليه منذ حينها.