جديدة جدا 3

خرج أواب والجد ليتفقا مع السائقين على موعد الانطلاق، بينما تلكأ مهدي في خطواته إلى أن غادر الجميع ولم يتبقَّ سواهما، فاقترب منها وجلس على الكرسي المجاور للآخر الذي كانت تقوم بتنظيفه.

اندهشت من فعلته وكادت أن تزجره بأحد أحاديثها الحادة، فكيف ستستطيع مباشرة أعمالها وهو يجلس أمامها هكذا؟!

إلا أنه سبقها وهو يسألها بجدية:

– وبعدين يا شمس؟!

عقدت حاجبيها تتصنع عدم الفهم وقد أدركت على الفور ما يرمي إليه، فتباعدها عنه في الآونة الأخيرة يدركه كلاهما، مما جعله يتابع:

– هتفضل كدا لحد امتى؟! أنا مش عايز أجيب أخري.

استفزها بجملته الأخيرة فردت بحدة:

– وأنتَ إيه أخرك؟!

صمت قليلًا قبل أن يهمس بنفاذ صبر وعيناه العاشقتان لا تبتعدان عن عينيها اللتان تعانقان الأرض:

– هروح أجيب المأذون دلوقتي وأرجعك مراتي يا شمس..

رغم تأثرها بحديثه وارتجاف بدنها أثر همسه، إلا أنها سألته بحدة:

– هتجبرني يا مهدي؟!

فتحولت نظراته العاشقة إلى أخرى معاتبة وهو يسألها بصوت مليء بالرجاء ألا ترده خائبًا:

– أنا لو رجعتك هتبقي مجبرة يا شمس؟!

تسارعت أنفاسها، وعجزت عن الإجابة، فأشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى دون حديث، مما جعله يتابع قبل أن ينهض واقفًا لينهي حديثه ويجبرها على عدم الرد الآن:

– يوم فرح أواب عمتي وضحى هيركبوا معايا العربية.. لو ركبتي معاهم هعتبر دا موافقة منك.. ولو مركبتيش يا شمس..

صمت قليلًا قبل أن يتابع بما يشق عليه:

– لو مركبتيش فأنا مش هعترض طريقك تاني.. ولو شوفتك بالصدفة فهتكوني بنت عمتي بس.

نظرت إلى أثره بقلب مهتز وعقل شارد، ما له صعَّب الخيار عليها إلى هذه الدرجة، ماذا علينا أن تفعل الآن؟! تقبل بعودتها وبهذا تقرّ على موافقتها أن يفعل ما فعل ثانية وثالثة فتصبح نسخة ثانية من والدتها التي كانت تعاني وتبكي وحدها في المطبخ المظلم، أم ترفض وتحكم على قلبها بالعيش بين جدران الفراق المشبهة بالشوك الغليظ؟!

ـــــــــــــــــــــــــ

اقترب آذان العصر ومعه اقتربت أصوات السيارات المحملة ب”العزال”، ربما في العادة تسير سيارة أخرى فوقها سماعات عالية تصدح بالموسيقى والمهرجانات العالية، بل أحيانا ما يزداد الأمر وتتبعهم سيارة محملة بفرقة للطبل البلدي لترقص النسوة على أصواتها فور أن يصل العزال، إلا أن أواب رفض كل هذا، بل ضجيج السيارات الذي يفعله السائقون من مزمار السيارة، لم يقبله إلا بتوسل والدته التي سالت دموعها تتوسله ليتركها تفرح به بأي طريقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *