جديدة جدا 3

– ليه يا أمي.. وصلت بيكِ إنك تأذي؟ دا كله ليه؟

ليأتيه صوتها القوي وهي تجيبه بتجبر لا يليق بأمه التي يعرفها:

– عشان أفوقها وأفوقك.. لو فضلت كدا أنت كمان هتفضل طول حياتك معلق نفسك عشانها.. هي اللي خربت بيتها بإيدها هي اللي غلطت من البداية يبقى متجيش تندم.

ليباغتها بسؤاله:

– مين قالك إنها هي اللي غلطت يا أمي؟

اضطربت نظراتها وتلعثمت وهي تجيبه بغير دراية حقيقية:

– هي اللي مرضيتش ترجع لك..

لينفعل وهو يبوح للمرة الأولى دفاعًا عنها:

– أدام مرضيتش ترجع يبقى غلطي كان كبير.. أنا معملتش غير اللي أبوها كان بيعمله معاهم يا أمي.

شهقت بصدمة كبيرة لتقترب منه وتسأله بعدم تصديق:

– ضربتها؟!

صمت، يقرّ بصمته سؤالها؛ فأدركت فداحة ما فعل، لقد كان شرط والدتها منذ البداية ألا يمس ابنتها ولو على سبيل المزاح، ربما بظروف أخرى لن يروا الضرب أمرًا كبيرًا كعائلتهم، أما هذه العائلة فقد تجرعوا الهموم وحلت الكآبة ببيتهم لأيام عديدة بسبب والد شمس الذي كان لا يكف عن ضرب والدتها، وبالطبع لم يكن الصغار أقل حظّا من والدتهم، فقد كانتا البنتان تنالا ما فيه النصيب إلى أن يأتوا إلى بيت العائلة بكدمات في وجههم جعلت الضرب مع مرور الأيام محرمًا بعرف هذه العائلة، خاصة وأن شمس كانت الأكبر والأكثر تمييزًا؛ فقد طالها الأذى وأدركت الأمر مرات عديدة إلى أن باتت كما تبدو للجميع مريضة نفسية، ترهب الزجاج، العنف، كل ما يذكرها بأفعال والدها، لقد وصفت الفتاة رهبتها من الزجاج مرة أمامهم بقولها؛ أن الأمر أشبه بذاك اليوم الذي أسقط فيه والدهم النيش فوق رأسها وهو يتشاجر مع أمها، وكم أصيبت تلك الليلة بندوب وجروح كثيرة عانى الجميع إلى أن اختفت من وجهها وجسدها بوقت قريب!! ومما زاد الأمر سوءاً؛ هروب والدها بذلك اليوم دون أن يهرع إليها لينقذها، هرع إلى أن لقى حتفه بعدها بأيام ليرسخ في عقل ابنته ذكريات ترهق عقلها وتجعل به تلفًا لا يمكن معالجته.

جلست والدة مهدي على الفراش وضرب ولدتها لتلك الفتاة أعاد على عقلها ذكرى ما مرَّ وما تناسته في السنوات السابقة، لتصيبها الآن بعض الشفقة، ويزورها قبس من بصيرة كانت قد فقدتها مع عقلها الذي كان يجن رثاء لضحكة ولدها.

نهضت من فوق فراش ولدها الذي كانت تنتظره بغرفته دون أن تنطق بشيء، تركته دون أن تعاتبه، ليخبره صمتها أنه قد خذلها بعدما كانت تثق بظلمه وبراءته، وكم آلمه حلقه الآن وهو يتجرع مرارة شعورها بالخذلان كما يفعل مع تلك التي لم تجف مرارة عتابها بعد!!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *