مستنيك 1
_________
كان يجلس وحيداً في ظُلمة حجرته ينأي بنفسه عن الجميع، يحاول تجنبهم قدر الإمكان، سعادتهم تزيد من تعاسته، تُضخم شعور الذنب بداخله، لقد وافق علي أن يبدل حبيبته بأخري بعد أن أقسم علي الوفاء للذكري، مُجبراً كان لأجل والدته لذا وافق علي تلك الزيجة ولكنه ليس مجبراً علي أن يودع ذكري زوجته الراحلة ستظل بقلبه مهما حدث، ما يثير حفيظته حقاً هو ارتضاء ابنة خالته بتلك الزيجة رغم علمها بمشاعره تجاه زوجته.. لماذا هو وقد كانت رافضة للزواج، تجحده بقوة؟ لماذا ارتضت به هو دوناً عن غيره زوجاً؟أُنير عقله في تلك اللحظة.. ربما لنفس السبب الذي ارتضاها هو زوجة ارتضته هو زوجاً.. ارضاءاً للأم ويقين من أنه زواج صوري لن يأخذ منهما سوى ورقة عند مأذون تحمل إمضائهما، ربما أرادت أن تتخلص مثله من هذا الضغط العاطفي، تمنح والدتها ماتريد وتبقي كما هي.. حرة لا سبيل لإجبارها علي زواج حقيقي لا ترغبه.. هو لم يراها منذ وافق علي تلك الزيجة ليسألها عن سبب موافقتها ولكنه بات موقن من أن أسبابهما تتطابق، لا بأس إذاً.. سيمضي قُدماً بهذا الزواج.. ربما كان الأفضل لكليهما.. شعر بالراحة فمد يده يفتح نور المصباح المجاور لسريره ويسحب صورة زوجته القابعة عليه يتأمل ملامحها بعشق ملك كيانه، مد أنامله يتحسس ملامحها.. كم من مسافات بينهما الآن.. هو هنا بينما هي تحت الثري قد واري قلبه خلفها وتفادي التشبث بكل شيء حتي لا يمر بتجربة الخسارة مرة أخري، فحين خسرها خسر روحه وأحاط جيده القهر وابتلع حلقه صراخاً لا جدوى منه، جحيماً يحترق به كل يوم وهو يحتضن وسادته بدلاً منها.. أحبها بقوة.. أحب جنونها وشجارها مع أشيائها، أحب ثرثرتها، أحب طفولتها، لم يبالي بالأطفال مادامت هي معه.. وماذا ان كان حملها مستحيلاً.. تكفيه هي ولكنها كانت عنيدة، أصرت علي ان تحمل له طفلاً ودون علمه كان لها ماأرادت، حاول التشبث بها بكل ماأوتي من قوة ولكنه وقت الرحيل، وقت لا يعلمه سوى الله.. فارقته هي و جنينها وتركته وحيداً لا يدري مايفعل بحياته البائسة، أقسم علي الوفاء لذكراها وقد كان باراً بقسمه وسيظل.. رفع الصورة إلي فمه يلثمها بحب قبل أن يضعها مكانها قائلاً كعادته كل ليلة:
_تصبحي علي خير ياأميرتي.
________
كاد أن يدلف إلي الحجرة فاستوقفه صوت والده وهو يقول:
_انتِ مش مبسوطة يارقية؟ غريب مضايقك؟ملامحك ليه باهتة والابتسامة غايبة عنك؟ مش دي روكا حبيبتي اللي اتعودت أشوفها.