مستنيك 1
_يابابا…..
_بابا ايه بقي.. انت خليت فيها بابا..وكان بابا فين في الست شهور الأخيرة اللي غبت فيهم عني؟عشت كام تجربة فاشلة خلوك تهرب وتسيبني؟ طب كنت إسأل عني مش يمكن تعبان ولا بموت ؟
قال غريب بسرعة:
_بعيد الشر عنك.. انا عارف إني غلطان بس انت مكنتش بترد في الأول علي مكالماتي ومقموص مني عشان صممت أسافر وفي الشهرين الأخرانيين أنا كنت في رحلة سفاري واللي مكنش متاح ليا فيها أي وسيلة اتصال بالعالم الخارجي.
_مفيش أي عذر هتقوله يشفعلك عندي، انت مش عارف أنا عشت ايه الفترة اللي فاتت دي، من قلق وخوف عليك ده غير وحدتي واحساسي اني هموت من غير ماأشوفك وان حتي موتي مش فارق معاك.
_لا يابابا انت غلطان……
توقف عن الكلام وهو يلاحظ شحوب وجه والده الذي أمسك قلبه وظهر الألم علي ملامحه وارتعشت يداه فترك العصا تقع أرضاً وكاد هو بدوره أن يسقط خلفها لولا اقتراب غريب منه يسنده بقوة قائلاً بجزع:
_بابا.. مالك يابابا؟
قال عزيز من بين أنفاسه المتقطعة:
_الظاهر أزمة قلبية تانية.. اتصل بالدكتور صلاح ياغريب.. بسرعة.
أخرج غريب هاتفه بسرعة يتصل بالطبيب وقلبه يتضرع بصمت ليحمي أباه من كل شر.
______
تأملت ملامحه المرهقة بعطف قائلة:
_متأكد إنك مش محتاجني جنبك النهاردة ياعمي؟
ربت علي يدها قائلاً بحنان:
_يابنتي انتِ بقالك كام يوم جنبي مفارقتنيش وسايبة شغلك.. أنا كويس متقلقيش يلا قومي روحي ولو احتجتك ياستي هكلمك.
_اعتبر ده وعد؟
ابتسم يهز رأسه بضعف فنهضت تميل علي جبهته تضع قبلة حانية علي رأسه اهتزت لها خفقات قلبه فأغمض عيناه بقوة يمنع دمعة أوشكت علي الهبوط، يحبسها بداخل مقلتيه حتي لا تُضعفه فيطلب منها المكوث جواره وتُضعفها فتمكث مُتخلية عن عملها الذي تعشقه.
استقامت ففتح عيناه، ودعته بابتسامة بادلها إياها قبل أن تتجه للخارج فسمح لألم قلبه بالظهور علي وجهه يزداد بداخله الشعور بقرب الأجل، يتساءل عن مصير هذه الفتاة الطيبة الرقيقة كأمها حين يرحل.. تري هل ستكون بخير؟نحي مرارة الشعور بأنه لم يكتفي منها بعد ليكون شاغله الأكبر هي…. وأمانها.
_______
لم تتوقف هذه المرة ولم تعر نظراته الساخرة اهتماماً، لقد قررت تجاهله بالكامل والإكتفاء باعتذار عمها العزيز عما بدر من ولده، تحاول الابتعاد عن هذا الغريب قدرالإمكان لذا تصحو مبكرة كي تقضي مع عمها أطول فترة ممكنة وحين تدرك اقتراب موعد زيارته تغادر الحجرة، تلتقيه من آن لآخر في الرواق، يمنحها احدي نظراته الساخرة فتشيح بوجهها عنه متجهة إلي غرفتها تمارس هوايتها التي تحبها، ثم تنتظر مغادرته لحجرة عمها واتجاهه إلي الخارج لتعود هي مجدداً إلي عمها العزيز الذي تعده بمثابة أباها وتتضرع كل يوم إلي الله في كل صلواتها أن يحفظه لها من كل شر.