مريم 5
في الطرف الآخر، يفقد “صالح” أعصابه التي حافظ على إحكام سيطرته عليه منذ تلقى خبر أبيه.. لحظة وقعت عيناه على جثته المحمولة على بعدٍ منه، انهمرت دموعه فورًا و أفلتت من بين شفاهه نهنهة بكاء حارة، حاول أن يقمعها بادئ الأمر… لكنه لم يفلح
إنهار تمامًا و انفجر باكيًا و هو يندفع بلا تردد نحو أبيه صائحًا بحرقةٍ :
-أبويــاااااااااااا .. أبويــــاااااااااااااا .. أبويــــــاااااااااااااااااا …
تجاوز “صالح” الجميع عنوةً و دحر كل من أعترض طريقه بطشًا بقبضته، حتى وصل لوالده، ارتمى فوقه محضتن جثته المغلفة و هو يجهش بعويل أكثر مرارةً و كأنه طفلًا بالسابعة و ليس رجلًا قد جاوز الثلاثون …
يخرج “عثمان” عن صمته بعد لحظاتٍ بعد أن طلبوا معاونته للسيطرة على إبن عمه.. تحرك صوبه وئيدًا، إذ رغم كل شيء ود أن يمنحه فرصة أخيرة لتوديع أبيه، هذا حقه، كما سنحت له هو الفرصة مع والده المرحوم قبل ثلاثة أعوام !
-صـالـــح ! .. هتف “عثمان” بصوته القوي و هو يمد يده ممسكًا بكتف الأخير
أردف بصرامةٍ محكمًا قبضته عليه ليبعده قليلًا حتى يتمكن المسعفون من المضي بالمتوفي :
-صــالــــــح ! خلاص يا صالح. قولتلك خلااااص. ماتخليش أبوك يستنى أكتر من كده.. لازم ندفنه !!
حاول “صالح” مقاومته صارخًا :
-سيبني يا عثمان.. ده أبويا. أبويـــااااااااااااااااااا !!!
شدد “عثمان” ذراعيه من حوله مغمغمًا بحزمٍ :
-عارف. عارف.. بس لازم ندفنه. إكرام الميت دفنه يا صالح. إهدا يابن عمي. إهدا و إمسك نفسك شوية. مش وقته اللي إنت عامله ده. عشان أبوك !
بطريقة أو بأخرى، تمكن “صالح” من الاستجابة لكلمات إبن عمه و كبيرهم رسميًا بدءً من الآن… مسح دموعه في كم معطفه و إستقام بقامته من جديد باعثًا بناظريه نحو عربة الاسعاف التي إرتقاها والده بهذه اللحظة
إنطلق “صالح” و سبق “عثمان” إلى السيارة… بينما ظل الأخير بمكانه لثوانٍ.. و قبل أن يخطو خطوة للأمام استوقفه هاتفه، إذ أخذ يهتز بجيب سترته الداخليه …
مد يده و أستله، أجاب الاتصال عالمًا بهوية المتصل دون الحاجة لإلقاء نظرة حتى :
-فريال هانم !
آتى صوت “فريال” ممزقًا بالبكاء الهادئ كشيمتها :
-عثمان ! عمك وصل ؟ وصل يا عثمان ؟!
عثمان بثباتٍ : وصل.. وصل يا ماما. هانطلع بيه على المستشفى الأول. ناخد تصريح الدفن و بعدين على مقابر العيلة