رواية جديدة من7-10

عاد ببصره إلى الشارع الخالي، حيث بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل خجولة، معلنة عن بداية يوم جديد يحمل في طياته الكثير من المواجهات التي لا مفر منها. دخل إلى غرفته بهدوء، أغلق باب الشرفة خلفه ليحجب ضوضاء أفكاره الصاخبة. استلقى على فراشه دون أن يغير ملابسه، وظل يحدق في سقف الغرفة. لم يكن النعاس هو ما يؤرقه، بل ثقل المسؤولية والقرارات القادمة. كيف سيعيد بناء جسر الثقة الذي تصدع بينه وبين ليلى؟ وكيف سيوضح لوالديه موقفه دون أن يبدو عاقاً أو متهوراً؟

في تلك اللحظة، سمع صوت خطوات خفيفة تقترب من باب غرفته، ثم طرقات هادئة عرف أنها والدته. لم تكن من عادتها أن تستيقظ في هذا الوقت، لكن من الواضح أن نومها كان مضطرباً مثل نومه تماماً. _أكمل؟ أنت صاحي يا ابني؟ جاء صوتها خافتاً ومبحوحاً من خلف الباب. اعتدل في جلسته وأجاب بصوت متعب _أيوه يا أمي، صاحي. فُتح الباب ببطء ودخلت نسرين، تحمل في ملامحها مزيجاً من القلق وأيضاً الحزم.

جلست على حافة الفراش بجانبه، ومدت يدها لتربت على كتفه. لم تتكلم في البداية، كأنها تبحث عن كلمات حازمة دون أن تفرض شخصيتها عليه فهي تعرف جيدًا بأنه يرفض القيود. _ممكن اعرف مبتردش على خطيبتك ليه؟ تنهد أكمل بضيق وفضل الصمت فقالت والدته بصبر _مردتش ليه؟ تطلع إليها بثبات وسألها _عايزاني اقولك ايه؟ _انا شايفة إن ليلى مغلطتش، وانها حكتلنا على اللي حصل فده عشان مصلحتك انت. اعتدل أكمل في فراشه وتحدث بلهجة يشوبها بعض الحدة

_ليه عيل صغير مش عارف مصلحته هتقول لأبوه يوجهه؟ وياترى بقا كل مشكلة تحصل بينا هتيجي تشكيني لكم؟ _لكم مين يا أكمل؟، أنا أمك وهو أبوك، يعني اكتر اتنين في الدنيا كلها بتخاف عليك وعلى مصلحتك. ادار اكمل ظهره لها وقد بدأ شعور الاختناق بالازدياد فتقدمت منه لتتابع بروية كي لا تخسره _ليلى بتحبك ودي حاجة كلنا واثقين منها، بلاش تخسرها بتهورك وبعدين انت فعلا غلط ولازم تعترف بده. ليه معلق نفسك بالصعيد واللي فيه، انت حياتك هنا مستقبلك كله هنا حاول تبعد عنه ومتربطش نفسك به.

لم يستدير إليها وظل ملتزم الصمت حتى تابعت بصدق _حبيبي انا مش قصدي أزعلك، أنا بس… خايفة عليك أنت ابني الوحيد، ومقدرش أتخيل حياتي من غيرك”. تنهد أكمل والتفت إلى والدته، فرأى في عينيها الخوف الصادق الذي تحدثت عنه ليلى في رسالتها. أدرك في تلك اللحظة أن كلتيهما، أمه وحبيبته، يتصرفا بدافع الحب، حتى وإن اختلفت الطريقة. أوما برأسه وأمسك بيدها قائلاً _أنا عارف يا أمي، وعمري ما أزعل منك. بس اللي حصل ضايقني فعلاً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *