مستنيك 3الاخبر
_______
تطلعت نعمات إلي زائرتهم،إنها امرأة خمسينية خط الشيب مقدمة رأسها الظاهرة من شالها المطروح عليه بإهمال متجعدة الملامح، تبدو مألوفة.. نعم.. لقد رأتها من قبل.. لقد جاءت لزيارة سيدها عزيز_رحمة الله عليه_تُري ماالذي تريده هذه المرة؟
_لو سمحتي عايزة أقابل رقية.
_رقية هانم مش موجودة.. مسافرة.. خير ياست……
تركت جملتها معلقة فأسرعت السيدة تقول:
_ألفت اسمي ألفت.
_خير ياست ألفت.
_أنا جارة والدة رقية، الست ثريا الله يرحمها.
ظهرت البشاشة علي وجه نعمات وهي تقول:
_الله يرحمها، ياألف أهلا وسهلاً.. خير ياست ألفت.. أقدر أخدمك بإيه؟أؤمريني.
_الأمر لله ياحبيبتي.
ظهر التردد علي وجه ألفت وهي تردف:
_أنا كنت عايزة رقية في موضوع خاص ومادام هي مش موجودة يبقي خلاص هجيلها وقت تاني، متعرفيش هترجع من السفر امتي؟
_لأ معرفش.
قطبت ألفت جبينها تقول بهمس:
_طب والأمانة اللي معايا، أنا مسافرة بعد كام يوم والله أعلم هروح فين وهعرف أشوفها قبل ماأسافر ولا هسافر من غير ماأشوفها وأديلها أمانتها.. ده ايه الحيرة دي ياربي.
رأت نعمات حيرتها فقالت بطيبة:
_مالك ياست ألفت؟ صارحيني يمكن أقدر أساعدك.
تطلعت ألفت لنعمات تستشف فيها الطيبة والحنان والإخلاص لذا حسمت أمرها وهي تقول:
_معايا أمانة لست رقية و…..
أوقفتها نعمات عن الكلام وهي تشير لها بالصمت وقد رأت ظل تحية يقف علي مقربة منهما، تتصنت مجدداً لا تقلع عن تلك الطباع السيئة رغم أنها طلبت منها كثيراً أن تفعل، لتقول بصوت عال:
_تعالي ياست ألفت معايا أوضتي وهناك نقدر نتكلم براحتنا، أصل الحيطان هنا ليها ودان عايزة قطعها.
أومأت ألفت برأسها تتبع نعمات إلي حجرتها بينما ظهرت تحية من خلف الباب تقول بحنق وهي تمسك أذنها:
_أنا برضه اللي محتاجة تنقطع وداني و لسانك ياست نعمات،أخباره إيه؟ أخداها الأوضة عشان مسمعش، مش مهم.. هعرف برضه الحكاية فيها ايه؟ ده أنا تحية بنت فتحية اللي مفيش حاجة في الدنيا تخفي عليها.
______
نعاني ونتألم، نتمرد علي آبائنا، نُخرج صرخاتنا المكبوتة، نبتعد كثيراً ثم نصحوا في يوم ونجدنا نسخة مكررة منهم، نحذو حذوهم ونصبح صورة طبق الأصل.. لطالما اعترضت علي أبي، لطالما كرهت روحه الملتوية، سهره في النوادي الليلية، خيانته الدائمة لأمي، ضربه لها واهاناته المتكررة، دفاعي عنها ونيل حظي من الضرب والاهانة، ابتعدت كثيراً وأنا أظن أنني أبتعد عن مايؤذيني، أنكر كل ماكرهت وأجحده فإذا بي أسير علي نفس الخطي، أتلوي بين أقراني مرتدياً العديد من الأقنعة، أسهر في النوادي وأعاقر الخمر، أتزوج وأهين زوجتي ولكني لم أنجب حتي لا يتعذب أبنائي كما تعذبت، انفصلت عن زوجتي وعدت.. عدت بعدما مات والدي لأدفنه دون حزن، وإن أصابني الحزن فالحزن علي نفس كرهتها ولكن مابيدي حيلة، إنها كينونة فرضتها الظروف علي وكنت من الضعف حتي استسلمت لها ولم أقاومها قيد أنملة..حتي رأيتها هي.