مستنيك 3الاخبر
كانت الصيحات المشجعة تنطلق الآن من أفواه الحاضرين تشجيعاً للعريس الغريب كإسمه عن بلدتهم ولكنه بدا وكأنه منهم تربي وسطهم منذ نعومة أظافرهم، ينافس قرينه في التحطيب بمهارة وابتسامة خلبا لب الجميع، لينسوا كل ماقيل منذ البارحة عن هذا الثنائي بل ويدعون لهم بالسعادة والذرية الصالحة أيضاً.
انتهي التحطيب فعاد غريب إلي مكانه جوار رقية بينما توالت فقرات الحفل حتي جاءت اللحظة التي يستعد فيها العروسين للرحيل إلي منزل العائلة، وبينما يشقا طريقهما وسط الحضور الذين هللوا وباركوا بأصواتهم العالية وزغاريد النساء الفرحة، قطب غريب جبينه وهو يلمح هذا الملثم الذي يقترب منهم بعيون غابت عنها الفرحة وظهر بهم كل حقد وكره، عيون عرفها علي الفور وأدرك مقصدها الذي لن يتردد لثانية واحدة في الذوذ عنه، وبالفعل حين امتدت يد الملثم لتغدر برقية أسرع هو يسحب الأخيرة حتي تختفي في حضنه بينما يمنح الغادر ظهره فيتلقي هو الرصاصة بدلاً منها، ساد الهرج والمرج وسط صريخ وعويل النسوة بينما سقط غريب تنز الدماء من صدره وتفسد لون جلبابه الأبيض، تناديه رقية بجل صوتها المذبوح ألماً المقهور حزناً، تناديه بلوعة ودموعها تتساقط بحرقة تطالبه بفتح أهدابه والنظر إليها فلم يستجب ولم تنفرج عيناه عن مقلتيه السوداويين، وبينما كان صالح يطلب عربة الإسعاف لتنقل غريب إلي المشفي كان راضي يتساءل بغضب عمن جرؤ علي الإتيان بتلك الفعلة فنفي الجميع رؤيته بينما جلس همام علي أقرب كرسي يستند إلي عكازه وقد ظهر الألم علي وجهه فبينما لا يعرف أحد المجرم الذي حاول قتل حفيدته ولم يره مخلوق قط، كان هو الوحيد الذي يعرفه.. الوحيد الذي رآه.. وياليته فقد بصره قبل أن يفعل.
الفصل الثالث عشر
هرج ومرج بالمشفي أمام حجرة العمليات، الجميع علي أهبة الإستعداد، هناك ممرضة تهرول إلي داخل الحجرة وأخري تخرج منها بينما يجلس همام علي المقعد متكئاً علي عصاه وقد شاخت ملامحه في هذه السويعات الأخيرة، بينما يقف أولاده الاثنين _راضي وصالح_بجواره وقد ظهر عليهما الحزن يتطلعان إلي الفتاة المسكينة التي وقفت جوار الباب بفستان زفافها الأبيض تبكي بصمت، تلطخت وجنتاها بنهرين من الدموع المختلطين بكحل زينتها، تتعلق عيناها بباب الغرفة كتعلق روحها بأي كلمات تحمل إليها خبراً ينقذها من هذا الألم بوجدانها، تخشي أن تفقده كما فقدت أحبتها من قبل وكأنه كتب عليها أن تعيش مرارة غياب كل من يتعلق به قلبها ويكون لها كروحها تماماً، ربتت آمنة علي كتفها تطلب منها الجلوس، تخشي أن تخور قواها وقد شحب وجهها وابيضت شفتاها وكأنها علي وشك السقوط وبالفعل لم يستطع جسد رقية تحمل مخاوفها وآلام بعثتها الذكريات في قلبها فشعرت بهوة سحيقة تسحبها إليها قبل أن يلفها السواد وتسقط أرضاً وسط صراخ النسوة حولها.