رواية جديدة 18-20
_كيف يعني ملكيش نفس؟ وشك بجى قد إكدة، مش هينفع تفضلي من غير أكل، جسمك مش هيستحمل. تنهدت نغم، وشعرت بأن مقاومتها تتلاشى أمام هذا الحنان غير المتوقع. _الشغل كتير جوي، وتعبانة. قالت ونس بنبرة لوم رقيقة، لكنها موجهة لابنها الغائب. _خابرة يا بتي، خابرة ربنا يهديه بس لحد ما يهديه، لازم تاكلي عشان تجدري تجفي على حيلك. أني مش هجدر أساعدك في شغل البيت عشان جاسر ميجولش إني بتدخل، بس محدش يجدر يمنعني أهتم بأكلك وصحتك.
نهضت ونس، وأمسكت بيد نغم وسحبتها برفق نحو الطاولة. _يلا، كلي لجمة واحدة بس عشان خاطري أني اللي طبختهولك بيدي. نظرت نغم إلى وجه السيدة الطيب، وإلى عينيها اللتين تحملان قلقاً حقيقياً، في تلك اللحظة لم ترى فيها والدة عدوها، بل رأت فيها أماً شعرت بقلبها يدفأ قليلاً، وبدمعة امتنان تتجمع في طرف عينها. أومأت برأسها بصمت، وجلست أمام الصينية بدأت تأكل ببطء، ليس لأنها جائعة، بل لأنها لم ترد أن تكسر خاطر هذه السيدة التي أصبحت تمثل لها النقطة المضيئة الوحيدة في هذا الظلام الحالك.
وقفت ونس بجانبها، تتابعها بنظرات راضية، وهي تربت على شعرها بحنان، وكأنها تحاول أن تعوضها بلمساتها عن قسوة ابنها وجبروت هذا العالم الجديد الذي أُلقيت فيه. ❈-❈-❈ كانت طاولة العشاء في منزل آل الرفاعي تبدو وكأنها مسرح مقسوم إلى نصفين، كل نصف يعرض مسرحية مختلفة تمامًا. على أحد الجانبين، وضعت وعد الطعام في طبق سند وهي تقول بود به بعض الخجل _دوج البطاطس دي وجولي رأيك، أني اللي عملتها. هتعچبك لإني خابرة انك بتحبها بالطريجة دي.
ابتسم سند بود مماثل _كفاية انك تعبتي حالك وعملتيها، كله زين. ابتسمت وقلبها يرقص فرحًا من هذه الكلمة البسيطة التي كانت تعني لها العالم. على الجانب الآخر من الطاولة، كان الصقيع هو سيد الموقف. كانت روح تجلس بجانب عدي، الذي كان يضع هاتفه بجانب طبقه، ووجهه لأسفل، يتفقده كل بضع ثواني. قالت والدته محاولة كسر الجليد _عدي، الأكل هيوبرود سيب التليفون ده من إيدك وكل. رفع عدي عينيه للحظة، نظرة فارغة مرت على الجميع دون أن تستقر على أحد.
_باكل يا أمي. قال بحدة طفيفة ثم عاد ليحدق في طبقه، يأكل ببطء دون أي اهتمام. حاولت روح أن تخلق جسرًا للتواصل، أن تحصل على فتات الاهتمام الذي تراه عند وعد. _الأكل عاجبك يا عدي؟ سألت بصوتٍ ناعم، فيه رجاء خفي. لم يرفع رأسه، فقط قال كلمة واحدة، جافة، وقاطعة. _كويس. شعرت روح بوخزة الإهانة. “كويس” هذه كانت أبرد من ص’فعة على وجهها، نظرت خلس’ة إلى سند ووعد مرة أخرى. كانا يتهامسان الآن حول شيء ما بصوت خافت.