رواية جديدة 18-20
توقف الزمن، وتوقف الهواء في رئتيه. جده… مات؟ الكلمتان بدتا مستحيلتين، سخيفتين. _انت….بتقول… ايه؟ _أمر الله يا ابني، امانته وخدها. محال كيف يمكن للشخص الذي يمثل الثبات والجذور في حياته أن يختفي ببساطة؟ هنا، انهار كل شيء لم يصرخ لم يبكي. لكنه شعر بفراغ هائل يتشكل في صدره، فراغ بارد ومؤلم يهدد بابتلاعه. استند على سور الشرفة بكل قوته، يشعر وكأن قدميه لن تحملاه. وفي وسط هذا الفراغ، طفت على السطح ذكرى كلمات جده الأخيرة، حادة كشفرة سكين
“بخاف أموت لوحدي يا أكمل.” لقد تحقق الكابوس. كانت رحلة إلى الصعيد ضبابية، قاد فيها جسده بآلية بينما كانت روحه تحوم في مكان آخر، عالقة بين الصدمة والندم. عندما وصل إلى البلدة، وجد سرادق العزاء قد نُصب بالفعل، والرجال بملابسهم الداكنة يتوافدون على منزل جده. شعر نفسه غير بدونه وكأن الجميع أصبحوا بدونه غرباء حتى والديه. لم يجد سوى حضن مالك الذي شعر به وشعر بما حاجته إليه تقدم منه واحتضنه بقوة، دون أن يقول كلمة.
كان حضنًا صامتًا، لكنه كان يحمل كل المواساة التي يحتاجها أكمل في تلك اللحظة. لم يبكِ أكمل، لكن جسده كان يرتجف بعنف بين ذراعي صديقه. _عايز أشوفه. كانت أول كلمات نطق بها أكمل بصوتٍ أجوف. قاده مالك إلى الداخل، إلى الغرفة التي طالما جلس فيها مع جده. كان الجسد مسجى على سرير بسيط، مغطى بملاءة بيضاء نظيفة، ورجال صالحون يتلون حوله القرآن استعدادًا للغسل. تقدم أكمل بخطوات ثقيلة، وكأن كل خطوة تزن طنًا.
رفع أحدهم الملاءة عن وجه جده. كان هادئًا، ساكنًا، وعلى شفتيه شبه ابتسامة خفيفة، كأنه نائم يحلم حلمًا جميلاً. لكنه كان باردًا، بلا حياة. هذا الوجه الذي طالما ابتسم له، هذه اليد التي طالما ربتت على كتفه، لم تعد هنا. لقد رحل إلى الأبد. مد أكمل يده المرتجفة، ولمس جبين جده البارد. وفي تلك اللحظة، انكسر انهمرت دموعه أخيرًا، دموع حارقة وصامتة، دموع الندم والحب والفقد. انحنى على جسد جده، ودفن وجهه في صدره، يبكي كالطفل الذي فقد ملاذه الوحيد ظل مالك بجانبه، يضع يده على ظهره، يمنحه القوة بصمته، ويتركه يفرغ كل الألم الذي كان يحبسه.
مرت أيام العزاء الثلاثة كأنها دهر لم يترك مالك أكمل لحظة واحدة وبعد أن رحل آخر المعزين، جلس أكمل على كرسي جده في نفس المكان الذي وجدوه فيه. أمسك بسبحة جده التي كانت لا تزال على الطاولة بجانبه، وأغمض عينيه. بدأت الذكريات تتدفق. تذكر كيف كان جده ينتظره في كل إجازة عند مدخل البلدة، ويفرد ذراعيه ليحتضنه. تذكر رائحة الأرض المروية وخبز الفرن التي كانت تملأ البيت. تذكر جلساتهما الطويلة في الحديقة، وجده يقص عليه حكايات الأجداد، ويعلمه أسماء النجوم.