رواية جديدة 18-20

وصل أكمل إلى شقته في القاهرة وهو يجر جسده وروحه كان إرهاق السفر الطويل يثقل جفنيه، لكن القلق الحقيقي الذي كان ينهش روحه هو صورة جده الرجل الذي تركه وحيدًا في الصعيد، والذي يمثل كل ما هو أصيل في حياته لم يكد يلقي بجسده المنهك على الأريكة ويغمض عينيه، حتى رن هاتفه بنغمة مخصصة لها كانت ليلى. تنهد بعمق، وجمع ما تبقى من طاقته ليرد. جاء صوتها عاتبًا وحادًا، يخلو من أي قلق حقيقي، ومليئًا بالاستياء الأناني

_ أكمل أخيرًا! كل ده عشان ترد عليا؟أنا كنت هموت من القلق عليك نزلت ستوري إني قلقانة والكل بيسألني رد بصوت متعب، بالكاد يخرج _ معلش يا ليلى، كنت في الطريق والدنيا كانت صعبة و مفيش شبكة. قالت بإصرار لم يراعِ تعبه، وكأنها لم تسمع كلماته _طيب بما إنك وصلت بالسلامة، لازم أشوفك النهاردة وحشتني جدًا. وحجزت لنا في ‘لا سييل’، لازم نحتفل برجوعك. حاول الاعتذار، فالذهاب لمطعم فاخر هو آخر ما يريده الآن.

_ليلى، أنا مهدود وعايز أنام… قاطعته بحسم _لأ يا أكمل أنا مجهزة نفسي ولابسة ومستنياك مش معقول تكسفني لتاني مرة نص ساعة وتكون عندي استسلم في النهاية، مدركًا أن المقاومة ستفتح بابًا للجدال لا يطيقه بعد ساعات قليلة، كان يجلس أمامها كانت جميلة وأنيقة كعادتها، ترتدي فستان بأكمام قصيرة رافضة الرضوخ لطلبه بألا ترتدي مثل تلك الملابسة وتضع مكياجًا متقنًا، لكن أكمل شعر بأن هناك شيئًا مختلفًا، أو ربما هو الذي نزع عن عينيه الغشاوة وبدأ يرى الأمور على حقيقتها.

بدأت الحديث بحماس، وهي تلتقط صورة لهما قبل أن تلتفت إليه. _تصدق يا حبيبي امبارح كنت قاعدة مع شيرين ومي، صحباتي كانوا بيقولولي لازم تخلي بالك من أكمل، مركز وكيل النيابة ده مش أي حد بياخده، والمستقبل قدامه كبير دي حاجة ترفع الراس بجد. ثم ضحكت ضحكة رنانة ومصطنعة. _حسيت بغيرتهم وهما عاملين نفسهم بينصحوني شيرين بتقولي إن البنات هيموتوا عليك. ابتسم أكمل ابتسامة باهتة، شعر فيها بطعم المرارة. أكملت وهي تمسك بيده فوق الطاولة، وأظافرها المطلية بعناية تضغط على جلده

_بصراحة يا أكمل، أنا طول عمري كنت بحلم أتجوز راجل له مكانته، له هيبته يعني مش أي حد والسلام والحمد لله ربنا رزقني بيك أنت البراند بتاعي اللي بتباهى بيه. شعر أكمل وكأن دلوًا من الماء المتجمد قد سُكب فوق رأسه. كلمة “براند” ظلت تدوي في أذنيه. حاول أن يكتم انفعاله وقال _شكلهم لو شافوني باللبس الصعيدي مش هيقولوا كدة. _وانت ايه اللي هيوديك الصعيد، حياتك هنا ملكش حد هناك. رفع حاجبيه مندهشا _وجدي.. تركت يده واسندت ظهرها على ظهر المقعد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *