رواية جديدة 18-20
دخل جاسر إلى الغرفة التي كانت في الأصل غرفته، والتي أصبحت الآن سجن نغم الخاص كان الجناح هادئاً، وهو قد اعتاد على هذا الصمت منذ أن ترك لها هذه الغرفة وانتقل هو إلى غرفة النوم المجاورة. لكنه لم يجدها، السرير كان فارغاً ومرتباً، والأريكة خالية. للحظة، عقد حاجبيه في تساؤل، قبل أن يسمع صوت خرير الماء الخافت القادم من الحمام. أدرك أنها بداخله استدار ليغادر بهدوء كما دخل، فاحترامه لخصوصيتها لم يكن نابعاً من لطف، بل من كونه هو من يضع القواعد ويقرر متى يكسرها.
لكن قبل أن يصل إلى الباب، لمح شيئاً تحت وسادتها، لم يكن مجرد بروز عادي، بل كان حافة لجهاز إلكتروني. توقف وداخله شعور بالفضول البارد. عاد بخطواته الصامتة نحو السرير، ومد يده وسحب ذلك الشيء. كان هاتفها هاتفها القديم الذي أعاده إليه من السائق والذي أتى معها من منزل أهلها. أمسكه بين أصابعه، وشعر ببرودة الجهاز. حاول تشغيله لكن الشاشة ظلت سوداء لقد كان مغلقاً تماماً. في تلك اللحظة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة وساخرة، لقد فهم كل شيء، فهم الآن لماذا رفضت بأدب أخذ الهاتف الذي أرسله مع فرح.
لم تكن ترفض وسيلة اتصال، بل كانت ترفض وسيلته هو كانت تظن أنها بإغلاق هاتفها القديم ورفض هاتفه الجديد، تقطع كل الجسور وتعلن استقلالها داخل سجنه. يا لها من سذاجة. سمع صوت باب الحمام وهو يُفتح، فلم يتحرك بقي واقفاً بجانب السرير، والهاتف في يده، ينتظرها. خرجت نغم وهي تجفف شعرها بمنشفة، مرتدية ملابس منزلية بسيطة من ملابس والدته. تجمدت في مكانها عندما رأته، لم تكن تتوقع وجوده ثم سقطت عيناها على الهاتف الذي في يده، وشعرت بقلبها يهبط لقد كُشف سرها الصغير.
لكنها لم تظهر أي خوف رفعت رأسها، ونظرت إليه مباشرة، وسألته بالبرود الذي اعتادت أن تواجهه به. _عايز حاچة؟ لم يعلق جاسر على الهاتف، بل أعاده ببطء إلى مكانه تحت الوسادة، وكأنه شيء تافه لا يستحق الذكر. تجاهله تماماً كان أبلغ من أي اتهام. _اجهزي كمان ساعة هنخرج. نظرت إليه باستغراب. _نخرج؟ نروح فين؟ اتجه نحو الباب، وقال بنبرته الآمرة المعتادة دون أن يلتفت. _هشتريلك هدوم كفاية لبس من هدوم أمي.
كانت في كلماته إهانة مبطنة، تذكير لها بأن كل ما تملكه هنا، حتى الملابس التي تسترها، هي منّة وعطية من عائلته. أدركت أن هذا الخروج ليس نزهة، بل هو فصل جديد من فصول فرض سيطرته، حيث سيختار لها حتى ما ترتديه. لم تعد تملك طاقة للجدال أو الرفض. كل ما شعرت به هو إرهاق عميق. _حاضر. أومأت برأسها في استسلام، وهو ما كان يتوقعه تماماً خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه، تاركاً إياها مع شعور بالعجز، ومعرفة أن كل محاولة صغيرة للاستقلال، هو يراها، ويعرفها، وسيسحقها في الوقت الذي يراه مناسباً.