رواية جديدة 18-20
الفصل التاسع عشر …………………….. كانت السرايا غارقة في صمت ثقيل، صمت لا يشبه هدوءها المعتاد، بل صمت محموم بالوجع والقهر المكتوم في الطابق العلوي، كان الحاج وهدان، كبير العائلة، طريح الفراش، فلم يعد باستطاعته التظاهر بالقوة أكثر من ذلك بعد أن انتهى الزفاف وظهر أمام الجميع على نفس وقاره الذي اعتادوه عليه. سقط جسده الذي طالما كان صخرة تستند عليها العائلة، قد وهن فجأة وكأن إهانة حفيدته كانت القشة التي قصمت ظهر قوته.
أما سالم، فكان شبحاً يسير في أرجاء المنزل صامتاً وعيناه تحملان عجزاً يقتله في كل لحظة الخوف من الفضيحة، ومن بطش التهاميه كبّل يديه ولسانه. لقد أُسدل الستار على “الفرح”، وبقيت الحقيقة المرة حبيسة جدران السرايا، سراً يؤرق نوم الجميع. في غرفته، كان مالك يتحرك بهدف واضح. على سريره، كانت حقيبة سفر صغيرة مفتوحة، وبجانبها ملف سميك يضم أوراقاً ومستندات جمعها بعناية فائقة خلال الأيام الماضية.
كانت بينها صورة ضوئية لوثيقة الزواج، تلك القسيمة التي خاطر الكثير للحصول عليها، حيث تمكن من إقناع “فرح”، الخادمة الشابة في بيت التهامي، بتصويرها له خلسة مقابل مبلغ كبير من المال ووعد بحمايتها. كانت هذه الورقة هي السل’اح الأول في معركته القادمة. انفتح باب الغرفة بهدوء ودخلت والدته. كانت ملامحها شاحبة، وعيناها تحملان حزناً عميقاً وقلقاً لا ينتهي. توقفت على عتبة الباب حين رأته بملابس الخروج والحقيبة المفتوحة. _مالك؟ أنت لابس ورايح فين في وجت زي ده؟
_ رد مالك دون أن يلتفت، وهو يضع الملف في حقيبته _مسافر القاهرة يا أمي. تقدمت منه بضع خطوات إلى الداخل، ونبرتها ارتفعت قليلاً بالقلق _القاهرة؟ ليه يا ولدي؟ شغلك مش دلوجت، وجدك تعبان ومحتاچنا كلنا حواليه. أغلق مالك حقيبته واستدار ليواجهها. كانت عيناه تحملان تصميماً صلباً لم تره فيه من قبل. _عشان جدي تعبان، وعشان أبويا وعمي مش عارفين يعملوا حاچة، أنا لازم أتحرك، مسافر لأكمل. تجمدت ملامح ورد عند سماع اسم “أكمل”.
فهمت على الفور أن الأمر يتعلق بنغم، وأن ابنها ينوي فتح أبواب الجحيم. بصوت مرتعش _أكمل؟ عايز تعمل إيه يا مالك؟ اني مش عايزاك تقف قصاد صخر يا ولدي، صخر جلبه ميت ومش بيهمه حد واصل. وبعدين انت إكدة بتفضحها. تحدث مالك بحدة لم يعتد أن يكلمها بها _الفضيحة إننا نسيبها في إيد الراچل ده يا أمي! الفضيحة إننا نجف نتفرچ عليها وهي بتتعذب واحنا ساكتين خوف! سمعة إيه اللي بتتكلمي عنيها؟ سمعة البنت بتتداس كل يوم وهي عايشة في بيت عدونا!