رواية جديدة 18-20
صمت سند، وحدق في يديه لم يكن يحاول إقناع مالك، بل كان يحاول إقناع نفسه. كان يردد هذه القصة مراراً وتكراراً في عقله، ليس لأنها الحقيقة المطلقة، بل لأنها الحقيقة الوحيدة التي تسمح له بالعيش. الحقيقة الوحيدة التي تبرر له تخليه، وتسمح له بأن يكون الزوج الذي تستحقه وعد. لقد اختار أن يصدق أن يصدق الحقيقة وأن نغم أحبت غيره، لأن تصديق أنها كانت ضحية تنتظر إنقاذه وهو لم يفعل شيئاً… كان ألماً لا يمكنه تحمله.
❈-❈-❈ في شرفة غرفة سند ووعد كانت ليلة مقمرة، يلقي فيها القمر ضوءاً فضياً على حديقة السرايا الغافية، ويرسم ظلالاً طويلة للأشجار. وقف سند متكئاً على سور الشرفة، يراقب الصمت بالخارج، لكن عقله كان أبعد ما يكون عن الهدوء. كلمات مالك تتردد في أذنه كيف نسيت نغم؟ لم ينسى ويبدو أنه لن ينسى لكن زواجه من وعد، الذي تم على عجل بأمر من جده لمنع الفضيحة، كان مجرد إجراء شكلي في البداية. غرفة واحدة، وسرير واحد لكن بينهما مسافة أميال من الحواجز النفسية.
جعله يفكر فيها حقا وينشغل عن نغم. خرجت وعد إلى الشرفة بهدوء، ترتدي ثوب نوم طويلاً وقد لفت كتفيها بشال رقيق. وقفت بجانبه دون أن تتكلم، وكأنها تحترم عزلته. لكن وجودها الهادئ أصبح مألوفاً ومريحاً له بشكل غريب. تحدثت وعد بصوت ناعم كهمس الليل _مش جايلك نوم؟ التفت سند إليها، وضوء القمر جعل عينيها تلمعان ببريق خاص _الأفكار مبتخلنيش أنام. _بتفكر في نغم؟ سألتها ببساطة، دون أثر للغيرة أو اللوم في صوتها.
هذه القدرة لديها على تسمية الأشياء بأسمائها دون دراما، كانت أكثر ما بدأ يبهره فيها. تنهد سند _بفكر فيها، وفينا… وفي كل اللي حوصل. حاسس إننا اتظلمنا كلنا يا وعد اني ونغم أنتِ كمان اللي اتجبرتي على جوازة من واحد قلبه كان مع واحدة تانية. ابتسمت وعد ابتسامة حزينة _يمكن… بس أنا مؤمنة إن كل حاجة بتحوصل لسبب، يمكن دي كانت الطريجة الوحيدة عشان أعرفك بجد. نظر إليها بعمق، مندهشاً من نضجها.
_تعرفيني؟ أنتِ شايفة إيه دلوجتي يا وعد؟ واحد مكسور ومهزوم؟ اقتربت منه خطوة، ومدت يدها بتردد لتلمس يده فوق سور الشرفة _لأ أنا شايفة راجل جلبه كبير، وبيوجعه الظلم اللي حوصل لواحدة من عيلته. شايفة واحد بيحاول يلاجي نفسه من جديد وسط كل ده. والراجل ده… أنا فخورة إني مراته. كلماتها الأخيرة لامست وتراً حساساً في قلبه. فخورة؟ لم يشعر بالفخر بنفسه منذ وقت طويل. _إزاي بتجدري تشوفيني كل ده؟ أنا نفسي مبجتش شايفه.