رواية جديدة 18-20
لم تلتفت إليه أكملت مسح الكريستالة التي في يدها، ثم بدأت في النزول ببطء بنفس الهدوء القاتل. مرت من أمامه وكأنه غير موجود، واتجهت لتغيير الماء. هذا التجاهل هذا الانصياع الخالي من أي عاطفة كان يثير جنونه. تبعها إلى حيث كانت تفرغ الدلو. _مبتسمعيش لما بكلمك؟ أمسك بذراعها ولفها لتواجهه. رفعت عينيها إليه كانتا صافيتين، خاليتين من أي شعور لا غضب لا كراهية، لا خوف لا شيء. قالت بصوتٍ هادئ. _سمعت وهعيد الشغل تاني.
ضيق عينيه بشك ولم يعد يفهم سبب ذلك الاستسلام لم ترفض شيء أمرها به وكلما ضغط عليها كلما اطاعته سألها بشك _في ايه؟ ايه سبب الاستسلام ده اومال فين نغم الرفاعي… “ماتت” قالتها ببساطة كأنها تذكر حقيقة علمية وتابعت بهدوء مزيف يخفي خلفه عاصفة مدمرة _أهلها قتلوها، وأنت دفنتها. اللي واقفة قدامك دي مجرد واحدة بتنفذ أوامرك عشان تسيبها في حالها. عايزني ألمع الثريا عشر مرات، هلمعها عايزني أمسح الأرض مية مرة، همسحها.
بس متتوقعش مني أي حاجة تانية لأني خلاص… كانت كلماتها كصف,عة جليدية لقد اعترفت بهز,يمتها، لكنها في نفس الوقت سل,بته كل متعته في النصر. لقد أراد أن يكسر روحها، لكنه وجد أنها مجرد قوقعة فارغة. أراد أن يشعل فيها النا,ر، لكنه وجد كو,مة من الر,ماد البارد. ترك ذراعها ببطء، ونظر إليها وهي تعود لتملأ الدلو من جديد، وكأن هذا الحوار لم يحدث. أدرك برعب أن أقسى أنواع العذاب التي خطط لها لن تؤثر فيها.
كيف تعذب شخصًا لا يشعر بشيء؟ كيف تكسر شخصًا محطمًا بالفعل؟ لأول مرة منذ أن بدأ هذه اللعبة، شعر جاسر بالهز,يمة. لم يهزمها بل هزمته هي بفراغها لقد فاز بالمعركة لكنه خسر الحرب، لأنه اكتشف أن الجائزة التي قاتل من أجلها… لم تعد موجودة ❈-❈-❈ مر يومان آخران في منزل التهامي على نفس المنوال. جاسر يصدر أوامر شاقة ومُهينة، ونغم تنفذها بهدوء آلي كأنها آلة لا روح فيها كان يراقبها وهي تنظف الجناح الواسع، أول تصعد للأعلى كي تضع الملابس تحت الشمس الحار’قة، أو تلمّع شيء في ساعة متأخرة من الليل.
كان ينتظر منها أن تنها’ر، أن تبكي، أن تصرخ… لكنها لم تفعل. هذا الصمود الس’بي، هذا الفراغ في عينيها، كان يستنزفه هو أكثر مما يستن’زفها لقد أصبح سجينًا لرد فعلها الذي لا يأتي أبدًا. في مساء اليوم الثالث، وبعد أن أنهت نغم ترتيب مكتبه الضخم دون أن تنطق بكلمة، وقبل أن تخرج، أوقفها صوته فجأة. _استني. توقفت وأعطته ظهرها، تنتظر الأمر التالي. _بكرة الصبح… حضري نفسك. قال بنبرة مختلفة، نبرة لم تسمعها من قبل، فيها شيء من القرار الحاسم الذي يغير مسار الأمور.