رواية جديدة 18-20
تذكر كيف كان جده يصر على أن يأكل من يده، قائلاً “لقمة من يد جدك ترد الروح.” تذكر ضحكته الصافية، وحكمته البسيطة، وحبه الذي لم يطلب مقابلاً. تقدم والده منه يربت على كتفه _مش كفاية كدة وخلينا نرجع القاهرة؟ التفت أكمل إلى والده، وقال بصوتٍ هادئ وحاسم. _مش هرجع. _مش هترجع فين؟ _القاهرة. قال أكمل وهو ينظر حوله، وكأنه يرى البيت لأول مرة. مقدرش مقدرش أسيب ريحته هنا لوحدها مقدرش أقفل الباب ده وأمشي.
نظر إلى سبحة جده في يده. _أنا خذلته مرة سبته يموت لوحده زي ما كان خايف مش هسيبه تاني وهو ميت. سأله والده بامتعاض _وشغلك؟ مستقبلك؟. قال أكمل بثقة لم يشعر بها من قبل. _هاخد أجازة طويلة ولو رفضوا، هقدم استقالتي. مستقبلي الحقيقي كان هنا وأنا مش واخد بالي منصبي الحقيقي كان حفيد الراجل ده، مش وكيل نيابة. حاول والده ان يكون هادئاً كي لا يعاند ابنه __يا ابني الحزن في القلب، مش كل واحد هيفارق حد عزيز عليه هيعمل زيك انت.
تحدث أكمل بلهجة لا تقبل نقاش _بابا لو سمحت سيبني براحتي. جاءت والدته على صوتهم _في ايه؟ ماله أكمل. رد والده بضيق _الاستاذ مش عايز يرجع معانا عايز يفضل هنا. سألته والدته _صحيح الكلام ده يا أكمل؟ رد اكمل بنفاذ صبر _ايوة صحيح ومش عايز كلام كتير في الموضوع لأن كلمة زيادة وهسيب الشغل خالص. تراجعت والدته لعلمها بتعند ابنها لذا سحبت يد زوجها وقالت بقلة حيلة _لازم تسيبه لاننا لو ضغطنا عليه ممكن يعند ويسيب الشغل فعلاً
خليه ياخد أجازة لحد ما يزهق ويرجع من نفسه اضطر للموافقة ورحل مع زوجته تاركين أكمل يعاني من ذلك الفراق القاسي. اتخذ قراره سيبقى هنا، في هذا البيت، بين هذه الجدران التي تحمل صوت وضحكات وروح جده سيبقى ليحرس ذكراه، وليبحث عن نفسه من جديد، بعيدًا عن برود القاهرة وزيفها، وقريبًا من دفء الأرض والحب الحقيقي الذي كاد أن يفقده إلى الأبد. ❈-❈-❈ كانت بقايا العشاء لا تزال على الطاولة، والجميع قد انصرف إلى غرفه.
لم يبقى في غرفة المعيشة سوى مالك وسند، يجلسان في صمت ثقيل كل منهما غارق في أفكاره. كان مالك يراقب سند من طرف عينه. يراقبه وهو يحتسي قهوته بهدوء، يراقب ملامحه التي تبدو هادئة بشكل مقلق. كان مستغرباً بل مصدوماً، كيف استطاع سند أن ينسى نغم بهذه السهولة الظاهرية؟ كيف يتعامل مع وعد بشكل طبيعي، يتحدث معها يبتسم لها وكأنها كانت اختياره الأول والأخير؟ كيف يمكن لرجل أن يطوي صفحة حبه وعمره بهذه السرعة، وكأن شيئاً لم يكن؟