مستنيك 2

الفصل السابع

انحدرت دمعة من عينيه تلتها المزيد من العبرات وهو يتطلع إلي وجه والده الذي بدا مُنيراً ومطمئناً كما لم يبدو قط،لقد جاء إلي حجرته منذ قليل ليطمئن عليه فوجده علي هذه الصورة،ظنه نائماً فلم يُرد ازعاجه ولكنه أراد فقط أن يقبل جبينه كما اعتاد كل يوم، رجفة سرت في قلبه وارتعشت أوصاله وهو يستشعر برودة بشرة والده، استقام بسرعة يتطلع إلي وجه الأخير بصدمة قبل أن يسرع بتناول يده وتحسس نبضه ليتأكد هاجسه ويدرك أن والده وافته المنية.. لم تستطع قدماه أن تحملانه فخر راكعاً جوار السرير،ينعي أباه بصمت بينما أراد الصراخ بأعلي صوته..

أبي..
بالله عليك استفق.. افتح أهدابك المغلقة وتطلع إليّ بمقلتيك الحانيتين.. لا ترحل سريعاً هكذا وتتركني وحيداً..
اللهم إليك المشتكى..
كيف أصبر علي الفراق وقد كان لي كل شيء؟
كيف أخبر قلبي المحترق أنه لن يستطيع البقاء في كنف هذا الرجل العظيم بعد الآن؟
كيف أستطيع أن أواريه الثرى وأنا دونه لا شيء؟
مجرد حطام مبعثر الروح والوجدان وقد كان أبي ولا أحد غيره القادر علي لملمة مشاعري المتناثرة، هو دون غيره من يستطيع احتواء ثوراتي وأعاصيري..هو الملجأ والوطن.. فإلي أين المفر؟

حمل يده الباردة بين كفيه ومال يلثمهما بحنين جارف وحزن كلهيب الجحيم.

طرقات علي الباب ثم دلوفها إلي الحجرة تقول بمرح:
_مساء الخير علي أحلي عم عزيز في الد…..

أخرسها إلتفاته إليها بدموع أغرقت وجهه، فاتسعت عيناها بهلع وهي تنقل بصرها بين المتمدد في سريره وبين هذا الرجل الذي نهض ببطء يتطلع إليها.. عادت ببصرها إلي العم عزيز وقد اغرورقت عيناها بالدموع، ثم عادت تتطلع إلي غريب تهز رأسها برفض تام لإدراكها حقيقة موته،تهدلت كتفيه و أطرق برأسه فاقتربت بخطوات بطيئة من سريره تقول بصوت مذبوح من الألم:
_عمي عزيز.. عمي..

هزته برفق فلم يستجب أردفت تقول بمرارة:
_اصحي ياعمي وبطل هزار، انت عارف اني مبحبش الهزار في الحاجات دي.

وجدها غريب تمسك يده فجأَة وتسحبه فشعر بالصدمة وهي تقول من خلال عبراتها:
_قوله ياغريب، قوله كفاية هزار.. أنا مبحبش الهزار في الحاجات دي.. قوله يفتح عينيه ويبصلي.. قوله يرد عليا.. انت ابنه وهو بيحبك قوي وهيسمع كلامك.. مش كدة؟

لم يدري بم يجيبها وقد رأي الحزن يطل من ملامحها وعبراتها وصوتها، يعتصر قلبها كما يعتصر قلبه، أدرك في هذه اللحظة ولأول مرة أن هذه الفتاة قد أحبت والده بصدق، فلا أحد يستطيع التمثيل بتلك البراعة، وللمرة الثانية يجد نفسه حائراً لا يستطيع سبر أغوار الشخص الذي أمامه.. أتُراها مخادعة حقاً أم بريئة ألقتها الظروف في طريق والده فأعدته كوالدها؟أو ربما هي الإثنين.. شيطانة أتابها الحب.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *