رواية جديدة من 11-14

كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، وأشعتها الذهبية تتسلل عبر زجاج السيارة لتلقي بظلال طويلة على وجه نغم الشاحب.
لم تنطق بكلمة واحدة طوال الطريق، فقط كانت تنظر من النافذة إلى الشوارع التي تمر بها سريعًا، وكأنها تودع عالمها القديم الذي لن تعود إليه أبدًا. كل مبنى وكل شجرة كل وجه عابر كان يثير في نفسها موجة من الحنين والألم. أما هو فكان يقود السيارة بهدوء تام، يده القوية تمسك بالمقود بثبات، وعيناه مركزتان على الطريق أمامه. لم يحاول أن يتحدث معها، ولم يلتفت إليها ولو لمرة واحدة. كان صمته أشد وطأة من كلمــ,,ـاته، صمت يوحي بالسيطرة المطلقة، وكأنه يقول لها: “لقد انتهى الأمر، أنتِ الآن ملكي”.

وصلت السيارة أخيرًا إلى بوابة حديدية ضخمة، فُتحت ببطء لتكشف عن ساحة واسعة تؤدي إلى منزل كبير، أو كما يسمونه في الصعيد “سرايا”. كانت سرايا عائلة “التهامي” مهيبة، شامخة كأصحابها، لكنها بدت في عيني نغم كسجــ,,ـن مفخخ أسواره عالية وقضبانه من ذهب. توقفت السيارة أمام المدخل الرئيسي. ترجل جاسر أولًا، ثم استدار وفتح لها الباب بحركة آلية خالية من أي مشاعر. قال بنبرة آمرة لم تتغير _انزلي. نزلت نغم بخطوات مترددة، وشعرت بقدميها تلامسان أرضًا غريبة عنها، أرضًا ستشهد على بقية حياتها البائسة.

ما إن وقفت حتى أمسك جاسر بذراعها مرة أخرى، ليس بقسوة كما في المكتب، بل بصلابة لا تسمح بالرفض، وسار بها نحو الداخل. في بهو السرايا الواسع، كانت والدته تجلس بعيدًا وكأنها ترفض ما سيحدث من ولدها كان صخر بجواره رجل وقور يرتدي جبة وعمامة، يبدو أنه المأذون. رفع صخر وجهه نظر إليهما فور دخولهما، وارتسمت على وجهه ابتسامة رضا باردة وهو يرى نغم تسير بجانب ابن أخيه. لم تكن هناك تحية أو ترحيب كل شيء كان معدًا مسبقًا وكأنها صفقة تجارية تم الاتفاق عليها.

أشار جاسر لوالدته التي تقف بعيدًا بأن تأخذ نغم فقالت بعتاب _لساتك يا ولدي مصر علي في دماغك؟ رد جاسر بتحذير _أمي. التزمت الصمت فليس بيدها فعل شيء وأخذت نغم المستسلمة لها وقالت _تعالي يا بتي. جلست على الأريكة وجلست بجوارها وأخذت تشاهد بعينيها أجراءات الزواج التي كان معد لها مسبقاً الوكيل و بطاقتها وكل ما يتعلق بها ولما لا فقد كانت بحوزته يومين كاملين. بدأ المأذون في تلاوة الإجراءات، وكانت كلمــ,,ـاته تدوي في أذني نغم كأنها مطارق تدق آخر المسامير في نعش حريتها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *