رواية جديدة من 11-14
لم تكن مجرد نظرة مفاجأة، بل كانت نظرة من رأى شبحًا، من انكشفت له حقيقة كانت مدفونة فغيرت كل ما يعرفه لقد سمعت سمعت كل شيء. شعر مالك بأن الدم كله قد هرب من وجهه، وبأن الأرض تحته أصبحت هشة كقشرة بيضة على وشك التحطم. للحظة، لم يستطع التنفس أراد أن يتكلم، أن يبرر، أن ينكر، أن يقول أي شيء يمحو تلك النظرة المصدومة من عينيها. لكن لسانه كان قد شُل تمامًا. فتح فمه ليقول اسمها، لكن لم يخرج أي صوت.
كل دفاعاته كل أقنعته التي بناها على مدى سنوات انهارت في لحظة واحدة تحت وطأة نظرتها لقد انكشف سره الأعمق، جرحه الذي كان يخفيه عن العالم كله، وأصبح الآن عاريًا أمام الشخص الوحيد الذي لم يكن يجب أن يعرفه أبدًا. ❈-❈-❈ دقيقة واحدة… ستون ثانية فقط، كانت هي كل ما يفصل بين ماضيها الذي تحطم، ومستقبلها البائس الذي يُبنى الآن على أنقاضه.
نظرت نغم حولها في ذعر، عيناها تتفحصان الغرفة وكأنها تبحث عن طوق نجاة في محيط هائج لكنها لم تجد سوى جدران صامتة وفــ,,ـاخرة، تردد صدى تهديداته القاسية، وتضخم صوت دقات قلبها المذعور حتى كاد يصم أذنيها الأصوات في الخارج تتعالى، كل همسة، كل ضحكة خافتة، كانت كسهم مسموم يخترق قلبها المرتجف. هل يرونها الآن؟ هل يتخيلون ما يحدث بالداخل؟ هل يرسمون في أذهانهم سينــ,,ـاريوهات مشينة بطلتها هي، الفتاة التي كانت دائمًا مثالًا للشرف؟ لقد حاصرها كلاعب شطرنج محترف، أغلق أمامها كل منفذ للهروب، وتنبأ بكل حركة ممكنة لها، ووضع أمامها فخًا محكمًا
المــ,,ـوت لن يخلصها، بل سيزيد الطين بلة سيحولها من ضحية إلى مدانة، وسيلطخ سمعة عائلتها إلى الأبد الرفض سيفجر قنبلة لن تــ,,ـها وحدها، بل ستتطاير شظاياها لتصيب والدتها، وإخوتها وسند، ومالك، وكل من تحب سيحول حياتهم إلى جحيم لا يطاق. لم يترك لها خيارًا لم يترك لها حتى شرف الاختيار لقد وضعها أمام حقيقة واحدة: التضحية بنفسها، أو التضحية بالجميع. أغمضت عينيها بقوة، في محاولة يائسة لحجب صورته الباردة، لحجب واقعها المرير
استسلمت كل خلية في جسدها كانت تصرخ بالرفض تتمرد على هذا الظلــ,,ـم، لكن عقلها الذي شلّه الرعب كان يدرك أن الموافقة هي التضحية الوحيدة التي يمكن أن تبني جدارًا بين أهلها وبين جحيمه. إنه ثمن باهظ لخطأ لم ترتكبه، وثأر لا ذنب لها فيه سوى أنها تحمل اسم “الرفاعي”. فتحت عينيها ببطء كانتا فارغتين انطفأ بريقهما تمامًا، ومــ,,ـاتت فيهما كل مقاومة. تحولت دموع القهر إلى نظرة زجاجية، نظرة استسلام مطلق، نظرة من حكم عليه بالإعدام وقبل مصيره