رواية جديدة من 11-14

كيف يمكنها أن تسمح بذلك؟ كيف يمكنها أن تعيش مع نفسها وهي تعلم أنها ضحت بوعد في سبيل كبرياء فارغ لم يعد له أي قيمة؟ وهنا، أدركت الحقيقة المرة. لقد فاز جاسر لم يفز لأنه الأقوى جسديًا، بل لأنه فهم النفس البشرية بعمق قاسٍ لقد جرّدها من كل شيء: عائلتها، حريتها، كبريائها، والآن هو يجردها حتى من خيار التمرد. لم يعد أمامها خيار. لم يعد الأمر يتعلق بالانتصار أو الهزيمة، بل باختيار أقل الخسائر فداحة.

كان عليها أن تبتلع كرامتها، وتدوس على ما تبقى من روحها، وتدخل إلى عرين الأسد طواعية، ليس كفريسة، بل كقربان. في تلك اللحظة، في عمق وحدتها ويأسها، اتخذت قرارها. ستخضع. ستكون “زوجة” جاسر التهامي ستلعب دوره الذي رسمه لها. لكن في قلبها المكسور، ولدت بذرة جديدة، بذرة مختلفة عن الكبرياء. بذرة باردة، صبورة، وحاقدة. بذرة انتقام لم تعد موجهة ضد جاسر وحده، بل ضد الجميع ضد جاسر الذي سلبها حياتها، وضد أهلها الذين تخلوا عنها.

لقد مــ,,ـاتت نغم الرفاعي في تلك الليلة، ومن رمادها، بدأت تتشكل امرأة أخرى، امرأة لا تملك شيئًا لتخسره. خرج جاسر من الحمام، والبخار يتبعه كشبحٍ عابر. كان يرتدي بنطالاً منزلياً أسود فقط، تاركاً صـ,,ـدره العريض وقطرات الماء التي تسيل على عضلاته المشدودة ظاهرة للعيان، كأنه بتلك الطريقة يخبرها بأن ما يريده يكون لم يكن مظهره يوحي بالراحة، بل بالقوة الخام كتمثال من صخر الجرانيت نُحت بدقة قاسية. توقفت عيناه على نغم كانت تجلس على الأريكة الجلدية الداكنة، منكمشة على نفسها، تحدق في نقطة وهمية على الأرض لم تعد فيها تلك الشرارة من التحدي التي واجهته بها قبل قليل.

الآن، لم يكن يرى سوى صمت واستسلام ثقيل أدرك على الفور أنها تعيد حساباتها، وأنها وصلت إلى الحقيقة المرة: لا مفر. لم يتحدث سار بخطوات بطيئة وثابتة نحو خزانة ملابسه، وكل حركة من حركاته كانت محسوبة وهادئة، كهدوء ما قبل العاصفة هذا الصمت المتعمد كان أشد وطأة من أي تهديد. كان يتركها تغرق في أفكارها، ويترك الرعب يتسلل إلى قلبها ببطء. قطعت نغم الصمت بصوتٍ خافت، بالكاد يُسمع، وكأنها تسأل نفسها أكثر مما تسأله هو.

“السواق…” توقف جاسر عن ارتداء قميصه، وظهره ما زال مواجهاً لها عضلات ظهره القوية انقــ,,ـبضت قليلاً عند سماع الكلمة، لكنه لم يلتفت. رفعت نغم رأسها قليلاً، وتابعت بصوتٍ أقوى هذه المرة، صوت يحمل بقايا أمل يائس في العثور على أي ذرة رحمة فيه. _السواق اللي حاول… اللي ســ,,ـرقني… أنت رجعتلي حاجتي. عملت فيه إيه؟ كان سؤالها معلقاً في الهواء المتوتر. كانت تأمل في إجابة تمنحها سبباً لتصدق أنه ليس شراً مطلقاً، ربما سلمه للشرطة؟ ربما لقنه درساً قاسياً؟ أي شيء إلا…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *