رواية جديدة من 11-14
رفعت رأسها نحوه، وبصوت مبحوح صوت غريب لم تعرفه من قبل صوت خرج من بين شفتيها المرتجفتين، همست بكلمة واحدة حسمت كل شيء، كلمة كانت بمثابة توقيعها على صك عبوديتها: _موافجة. لم تتغير ملامحه الباردة لم يرمش حتى وكأنه كان يتوقع هذا الرد منذ البداية لم تظهر على وجهه أي علامة للانتصار أو الفرح، بل مجرد تأكيد لخطته التي سارت بدقة متناهية، كآلة لا تخطئ أومأ برأسه ببطء، ثم أمسك بهاتفه مرة أخرى وضغط زرًا واحدًا.
تحدث بهدوء آمر، صوت السيد الذي يأمر فيُطاع. _كله يمشي حالًا مفيش حاجة. وكأن كلمــ,,ـاته كانت عصا سحرية، بدأت الأصوات في الخارج تخفت تدريجيًا، وتلاشت الهمهمــ,,ـات، حتى ساد الصمت المطبق مرة أخرى. صمت كان أثقل وأشد رعبًا من الضجيج. وقف جاسر، ونفض سترته الأنيقة بحركة خفيفة، وكأنه يزيل عنها غبار معركة حسمها بسهولة ودون أي عناء. نظر إليها من علو، وهي لا تزال منكمشة على الكرسي، وقال ببرود قاطع _جومي. لم تتحرك ظلت جالسة كتمثال من جليد، عقلها يرفض أن يرسل الأوامر لجسدها المنهار كرر أمره بحزم أكبر، بنبرة لا تحتمل أي تأخير.
_جولت جومي. تحاملت على نفسها، واستجمعت آخر ذرات القوة المتبقية فيها وقفت على قدمين بالكاد تحملانها، شعرت بالدوار يهاجمها وكأن الأرض تميد بها، فتشبثت بحافة المكتب لتمنع نفسها من السقوط. تقدم نحوها خطوتين، وبدون أي مقدمــ,,ـات بدون أي لمسة مواساة أو حتى نظرة تفهم أمسك بذراعها بقوة، قــ,,ـبضته كانت كالكماشة الفولاذية. سحبها خلفه نحو باب خلفي للمكتب، باب خشبي داكن لم تكن قد لاحظته من قبل، باب يقود إلى المجهول. لم يلتفت لينظر إليها لم يهتم بدموعها الصامتة التي ترسم خطوطًا على وجهها الشاحب، أو بجسدها الذي يرتعش من الخوف والمهانة.
كانت تسير خلفه كالمسلوبة الإرادة، كدمية خشبية تتحرك بخيوط هو من يمسك بها. كل خطوة تخطوها كانت تبعدها عن حياتها التي تعرفها، عن ضحكاتها، عن أحلامها وتقربها من جحيم لا تعرف له قرارًا. لقد وافقت ليس حبًا فيه، ولا خوفًا منه على نفسها بل تضحية لحماية من تحبهم من أنيابه كانت هي الكبش الذي سيُذبح على مذبح ثأره. وهكذا خرجت نغم من ذلك المكتب، ليس من الباب الذي دخلت منه، بل من باب خلفي مظلــ,,ـم تاركة وراءها كل شيء: أحلامها، كرامتها، حبها، ومستقبلها.