رواية جديدة من 11-14
مع كل قطعة تعيدها إلى مكانها، كانت تشعر وكأنها تتخلى عن جزء من نفسها، لكن في أعماقها، كان هناك صوت آخر يهمس، صوت بارد وحازم يشبه صوت جاسر نفسه: هذا ليس استسلامًا، بل هدنة هدنة لأستعيد قوتي. طُرق الباب طرقات خفيفة ومترددة. انتفضت نغم، وأسرعت تمحو آثار دموعها بكف يدها، وتستجمع بقايا كبريائها المبعثر. لم تكن تريد أن يرى أحد منهم انكسارها، فهذا هو انتصارهم الحقيقي. عدّلت من جلستها، وقالت بصوت حاولت جاهدة أن تجعله ثابتًا.
أدخل. انفتح الباب ببطء، ودخلت فتاة لم تبلغ العشرين من عمرها، تحمل بيدها صينية طعام فضية تفوح منها رائحة شهية. _إزيك يا ست نغم… توقفت الفتاة فجأة عن الحديث، واتسعت عيناها بدهشة وهي ترى منظر الغرفة. الوسائد ملقاة على الأرض، والأغطية مكومة في زاوية، وبعض قطع الزينة الصغيرة محطمة بجانب الحائط. أسرعت بوضع الصينية على أقرب طاولة، وقالت بصوت متعاطف. _خليكي أنتِ يا ست نغم، ارتاحي أني هعمل كل حاجة بدل عنك. مالت الفتاة لتلتقط الأشياء المتناثرة من على الأرض، لكن نغم منعتها بصوت حاد لم تعتد عليه.
_لا سيبي كل حاچة أني هعملها. ردت الفتاة بإصرار لطيف، محاولة ألا تغضــ,,ـبها. _مينفعش، لا يمكن أبدًا أنتِ ست البيت. مالت على أذن نغم، وقالت بهمس كأنها تشاركها سرًا عظيمًا. _الحاج سالم بيه الله يخليه، وصاني أخد بالي منك ومخليكيش تعملي حاچة واصل. سخرت نغم في نفسها بمرارة. “هذا كل ما استطاعوا فعله؟ أن يزرعوا جاسوسة لتطمئنتهم؟” هذا الشعور بالخذلان جعلها تصر على الرفض بعناد أكبر. _لا، كتر خيرك أنا جادرة أكمل متجلجيش عليا. _بس يا ست…
قاطعتها نغم بقوة، ونظراتها أصبحت جليدية. _جولتلك خلاص مش محتاچة حاچة دلوجت. وافقت الفتاة على مضض تحت إصرارها، وقالت بصوت خفيض. _أني اسمي فرح لو احتاجتي أي حاجة أي حاجة، نادي عليا بس وهجيلك طوالي. أشارت إلى صينية الطعام، وتابعت. _الست ونس.. جالت أچيبلك الوكل، لإنها خرچت من ساعة إكدة. الست ونس… والدته يبدو أنه لم يخبر والدته بما حدث، أو ربما أخبرها بالنسخة التي تناسبه. قالت برفض قاطع، ليس لأنها لا تريد الطعام، بل لأنها لا تريد أي شيء منهم.
خدي الوكل معاكي لما أجوع هبعتلك. قالت فرح بقلق حقيقي، وقد لاحظت شحوب وجهها. _بس أنتِ مكلتيش حاچة واصل من إمبارح حتى وكل إمبارح لساته زي ما هو. _جولتلك خلاص خدي الوكل ولما أحتاجه هبعتلك! أخذت فرح صينية الطعام، وخرجت من الغرفة بصمت وقلبها يخفق من حدة نبرة “الست الجديدة”. وأثناء نزولها الدرج بخطوات حذرة، تفاجأت بصوت بارد وحازم يناديها من أسفل، صوت جعلها تتجمد في مكانها. “فرح.” التفتت بسرعة، ورأت جاسر يقف أمام باب مكتبه المفتوح، يراقبها بنظرات ثاقبة كادت أن تخترق روحها.