رواية جديدة 15-17

تذكرت مكالمتهما الأخيرة، صوت روح المكسور وهو يؤكد لها حقيقة الخذلان. شعرت بألم مضاعف، ألم على نفسها، وألم على أختها التي تُركت هناك لتواجه العاصفة وحدها. صورة وعد، ابنة عمها البريئة. كانت في الصورة تحمل قطة صغيرة، وابتسامتها خجولة ورقيقة، تذكرت كيف كان كلاهما يلجأن إلى بعضهم عندما يواجه اي منهم مشكلة وكيف يسارع الآخر في حلها، وعد الضحية البديلة التي قُدمت على مذبح الكبرياء شعور الذنب تجاهها كان كالحجر الثقيل على صدرها. وعد، سند، عدي، مالك، اعمامها، جدها… مرت صورهم جميعًا أمام عينيها كل وجه كان يحمل ذكرى، كل ابتسامة كانت تحكي قصة.

كانت تتصفح حياتها الماضية، تتلمسها للمرة الأخيرة، كمن يزور قبر عزيز ليلقي نظرة الوداع كانت هذه الصور هي كل ما تبقى لها من عالمها، لكنها كانت أيضًا مصدر ألم لا يطاق، تذكير دائم بما خسرته، وبمن تخلوا عنها. اتخذت قرارها كان قرارًا مؤلمًا، كبتر عضو مريض لإنقاذ بقية الجسد. بإصبع يرتجف، ضغطت على صورة والدتها طويلاً، ثم بدأت في تحديد بقية الصور. صورة والدتها، روح، وعد، كل العائلة كل الأصدقاء، كل ذكرى حددت كل شيء مئات الصور التي شكلت ذاكرتها وهويتها.

ظهرت أمامها الكلمة القاسية على الشاشة: “حذف”. ترددت للحظة، وارتجف هاتفها في يدها، كانت هذه هي اللحظة الأخيرة، نقطة اللاعودة ثم أغمضت عينيها وضغطت. اختفى كل شيء أصبح المعرض فارغًا، أبيض، ونظيفًا بشكل مرعب لقد محت ماضيها بإرادتها، قطعت آخر خيط كان يربطها بهم. لم تعد ابنة أحد، أو أخت أحد، لقد أصبحت نغم فقط وحيدة. في تلك اللحظة، انهار السد الأخير لم تعد قادرة على كبت الألم. بدأ جسدها يهتز بعنف، لكنها كتمت صوت بكائها في الوسادة، لم تخرج منها سوى شهقات صامتة ومتقطعة، اهتزازات عنيفة لروح تتمزق في صمت.

اهتزاز جسدها بجانبها أيقظ أم جاسر من نومها الخفيف. فتحت عينيها في الظلام، وشعرت بالارتجافات الصامتة التي تهز الفتاة بجانبها. لم تحتاج إلى كلمات لتفهم لقد عرفت هذا النوع من البكاء، بكاء من فقد كل شيء. بحركة بطيئة وحانية، استدارت نحوها، ومدت ذراعيها وسحبت نغم إلى حضنها الدافئ. لم تقل شيئًا، بل ضمتها بقوة، كأم تحتضن طفلتها المذعورة بعد كابوس. وضعت يدها على شعر نغم، وبدأت تربت عليه برفق. تشبثت نغم بها، ودفنت وجهها في صدرها، وأطلقت العنان أخيرًا لبكاء حقيقي، لكنه ظل مكتومًا، حارقًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *