رواية جديدة 15-17
ترك ذراعها فجأة، وتراجع خطوة إلى الوراء، ينظر إلى المنديل في يده وكأنه دليل على جريمته. ثم نظر إليها وهي تقف أمامه، مكسورة، تنظر إلى الجرح النازف على ذراعها ثم إليه، بعينين لم يعد فيهما حب أو أمل بل صدمة وخيبة لا حدود لهما. _ده… عشانهم. قال بصوت متحشرج، وهو يرفع المنديل الملطخ بالدماء. _عشان المسرحية تكمل. القاه بأهمال على الفراش استدار خارجاً من الغرفة، متجهًا إلى الشرفة ليواجه ليلته الطويلة بمفرده، تاركًا إياها واقفة في مكانها، تنزف من جرحين: جرح في ذراعها سيشفى مع الوقت، وجرح أعمق بكثير في قلبها، جرح قد لا يندمل أبدًا.
لقد أثبت لها في ليلة زفافهما أنه مستعد أن يجرحها ويؤلمها، فقط ليظل وفيًا لألمه التي لا تعرف سببه. ❈-❈-❈ في غرفة نغم.. كان الصمت حيًا، مليئًا بالأشباح والذكريات. كانت تستلقي بجانب أم جاسر، التي غطت في نوم عميق بعد يوم طويل من القلق والمواساة. أما نغم، فقد هجرها النوم تمامًا كانت عيناها مفتوحتين في الظلام، تحدقان في السقف الذي لا يرى، بينما عقلها يعج بصور وأصوات عالمها المفقود. ببطء وحذر شديدين حتى لا توقظ المرأة النائمة بجانبها، مدت يدها المرتجفة إلى هاتفها الذي خبأته تحت الوسادة.
فتحت الشاشة، وخفضت إضاءتها إلى أدنى درجة، وكأنها تخشى أن يفضح هذا النور الضئيل عمق الظلام الذي استقر في روحها. فتحت معرض الصور كانت تلك هي بوابتها الوحيدة إلى حياة لم تعد تملكها. أول صورة ظهرت كانت لوالدها كان يضحك بصوته الأجش المميز في إحدى المناسبات العائلية، يضع ذراعه حول كتفها بفخر. تذكرت كيف كان يناديها “أميرتي”، وكيف كان يتباهى بقوتها وعنادها الذي ورثته عنه. ليته ظل معها ولم يتركهم مررت إصبعها لتظهر صورة والدتها كانت تبتسم ابتسامتها الحنونة، وعيناها تشعان بالدفء.
تذكرت ليالي الحمى حين كانت والدتها لا تنام، تضع الكمادات الباردة على جبينها وتقص عليها الحكايات حتى تغفو. تذكرت نصائحها التي كانت تظنها قيودًا، لتكتشف الآن أنها كانت درعًا يحميها. أين هذا الدرع الآن؟ هل فكرت فيها والدتها اليوم؟ هل بكت من أجلها، أم اكتفت بالدعاء الصامت خوفًا من الناس هي أيضا ثم جاءت صورة روح، أختها ورفيقة دربها. كانتا في الصورة تضحكان حتى أدمعت عيناهما، في لحظة عفوية لا يعرف سرها سواهما. تذكرت أسرارهما المشتركة، ملابسهما التي تتبادلانها، أحلامهما التي كانتا تنسجانها معًا في ليالي الصيف.