رواية جديدة 15-17
كان يشعر بأنه يراقب شبحًا، جسدًا يتحرك ويأكل، لكن روحه ليست هنا وهذا الهدوء هذا الصمت، كان يثير جنونه أكثر من أي صراخ. لقد بدأت حرب الأعصاب، وكان عليه أن يعترف ولو لنفسه فقط أن خصمه ليس بالضعف الذي كان يتوقعه. في تلك اللحظة، دخلت شروق، متألقة كعادتها، وعلى وجهها ابتسامة نصر مصطنعة. _صباح الخير يا جماعة صباح الخير يا… حبيبي. قالت الكلمة الأخيرة ببطء وتلذذ، وهي تنظر إلى نغم من أعلى إلى أسفل، ملاحظة ملابسها البسيطة التي لا تليق بفتاة بسنها
لم ترد نغم، ولم ترفع عينيها من طبقها الفارغ هذا التجاهل التام كان أكثر إثارة للغضب من أي رد. _إيه ده يا مرت عمي هي محدش من أهلها بعتلها حتى هدمه تلبسها. قبل أن ترد أم جاسر، جاء صوت جاسر حادًا وقاطعًا كالسيف دون أن يرفع عينيه عن طبقه _شروق صوتك عالي على الصبح. تجمدت شروق في مكانها، وابتلعت بقية كلماتها كانت رسالته واضحة “النقاش انتهى” لأول مرة، شعرت نغم بشيء غريب لم يكن امتنانًا، بل كان إدراكًا
إدراك أن حمايتها الوحيدة في هذا البيت بشكل مفارق، هي سلطة الرجل الذي دمر حياتها هو الوحيد الذي يستطيع أن يلجم الأفاعي الأخرى. ❈-❈-❈ قضى أكمل بقية الليلة مع جده، يتحدثان في شتى الأمور، محاولاً أن يملأ صمت المنزل بوجوده قدر الإمكان لكن مع بزوغ الفجر، حان وقت الرحيل نهض أكمل وبدأ في جمع أغراضه القليلة، وشعر بثقل يضغط على صدره مع كل حركة. كان جده يراقبه في صمت من على كرسيه، ووجهه يحمل تعبيرًا من الحزن الهادئ.
_ما تخليك يا ولدي… يومين كمان. قال الجد بصوتٍ فيه رجاء خفي. _البيت بينور بوجودك يومين بس يطمنوا جلبي لحد ما ترچع تاني. توقف أكمل ونظر إلى جده، وشعر بقلبه يتمزق. _يا ريت يا جدي… يا ريت أقدر أنت عارف شغل النيابة، مفيش فيه يوم زيادة لازم أكون في مكتبي بكرة الصبح بدري. تنهد الجد تنهيدة طويلة، وأشاح بوجهه نحو النافذة التي بدأت تستقبل ضوء الصباح الباهت. _عارف يا ولدي… عارف ربنا يقويك. ثم صمت للحظة، وأضاف بصوتٍ خافت كاد يكون همسًا،
_بس أني بخاف، بخاف يجي أجلي وأنت بعيد عني، بخاف أغمض عيني للمرة الأخيرة ومشوفش وشك جدامي. كانت هذه الكلمات هي المطرقة التي حطمت رباطة جأش أكمل. لقد عبر جده عن أعمق مخاوفه بصراحة مؤلمة، وهذا الخوف انتقل فورًا إلى قلب أكمل. فكرة أن يأتيه خبر وفاة جده وهو بعيد عنه في القاهرة، فكرة أن يفوّت فرصة توديعه، كانت فكرة لا تطاق. جلس أمامه على ركبتيه، وأمسك بيد جده المجعدة والباردة. _يا جدي، عشان خاطري عشان الخوف ده اللي في قلبي وقلبك تعالى معايا القاهرة والله لأشيلك في عنيا هتبقى وسطينا، ومش هتبقى لوحدك لحظة واحدة لا بالليل ولا بالنهار.