رواية جديدة 15-17
هز الجد رأسه ببطء وعناد، وابتسامة حزينة ارتسمت على شفتيه. _مجدرش يا أكمل مجدرش أسيب أرضي لو طلعت من ٱهنه، يبقى طلعت روحي معايا هنا ريحة أبوك وهو صغير، وهنا ذكرياتي مع جدتك، وهنا قبري اللي جنب قبرها ده مكاني يا ولدي. نظر في عيني حفيده بحب عميق. _متجلجش عليا، ربنا كريم وهو اللي بيحدد الميعاد والمكان. أدرك أكمل أنه يخوض معركة خاسرة عناد جده وحبه لهذه الأرض أقوى من أي خوف لم يكن أمامه سوى الاستسلام للواقع المرير.
نهض وانحنى وقبّل يدي جده وجبينه _هتوحشني يا جدي. _وأنت كمان يا قلب جدك خلي بالك من نفسك، ومتنساش تتصل تطمني عليك كل يوم. _أوعدك. قال أكمل وصوته متحشرج. _وأوعدك أول ما آخد إجازة طويلة، هجيلك على طول وهقعد معاك أسبوع بحاله. _مستنيك يا ولدي. حمل أكمل حقيبته الصغيرة، وسار نحو الباب بخطوات ثقيلة عند الباب، التفت وألقى نظرة أخيرة على جده، الجالس في كرسيه، يبدو صغيرًا وهشًا في ضوء الصباح لوّح له بيده، وخرج وأغلق الباب خلفه، تاركًا قطعة من قلبه في ذلك المنزل الصغير.
ركب سيارة الاجرة التي اتى بها حسان الذي لم يرتاح له مطلقاً، يعرف انه يهتم بجده لكنه أيضاً يشعر بأن وراه سر، القى نظرة اخيرة على المنزل وانطلق على الطريق الطويل العائد إلى المطار، وكلمات جده الأخيرة ترن في أذنيه: “بخاف أموت لوحدي”. شعر بقلق عميق ينهش روحه، ودعا من كل قلبه أن يطيل الله في عمر جده حتى يتمكن من الوفاء بوعده والعودة إليه مرة أخرى. ❈-❈-❈ خرج عدي من غرفة مالك، وأغلق الباب خلفه بهدوء حاسم لكن هذا الهدوء كان مجرد قشرة خارجية تخفي بركانًا من الغضب والعجز والارتباك.
ترك وراءه صمتًا مدويًا، وكلمات اعتراف قاسية ألقاها في وجه أخيه، كلمات كانت بمثابة إعلان حرب على ضعفه الشخصي. لم يعد إلى جناحه لم يستطع مجرد التفكير في مواجهة روح الآلم كان كافيًا لشل حركته. كيف سيواجه عينيها؟ تلك النظرات الفارغة التي أصبحت مرآة للخراب الذي أحدثه كيف سيواجه صمتها الذي كان أعلى من أي صراخ؟
بدلًا من ذلك، نزل الدرج بخطوات سريعة وعصبية، وتوجه إلى حديقة المنزل الخلفية بعيدًا عن الأضواء والعيون جلس على مقعد حجري منعزل تحت شجرة زيتون قديمة، أغصانها الملتوية تشبه روحه المعقدة كان الهواء باردًا، لكنه لم يشعر به كل حواسه كانت مركزة على العاصفة التي تدور في رأسه. أخرج هاتفه، وشاشة الهاتف المضيئة كانت النور الوحيد في ظلامه بدأ يبحث في جهات الاتصال، وعقله يعمل بسرعة محمومة، يقفز من فكرة إلى أخرى، من خطة إلى خطة، كل واحدة أكثر تهورًا من سابقتها.