رواية جديدة 15-17
_لا، أني هتصرف وأجيب لها النهاردة. نظر حوله، ثم قال وهو يخلع سترته ويرميها على أقرب مقعد. _أني هدخل الحمام التاني أتحمم فيه هاتيلي هدومي هناك. أومأت والدته، وعيناها تلمعان بحب لا حدود له لابنها الوحيد. _من عينيه يا غالي. انصرف جاسر إلى غرفة والدته المجاورة، بينما طرقت هي على باب المرحاض برفق. _نغم… افتحي خدي الهدوم يا بتي. فتحت نغم الباب بحذر، وأخرجت يدها فقط لتأخذ الملابس، ثم أغلقت الباب مرة أخرى، دون أن ترى أن من كان سبب مأساتها قد عاد، وأنه الآن على بعد أمتار قليلة منها، يفصل بينهما جدار واحد فقط.
خرجت نغم من المرحاض، كانت قد ارتدت العباءة البسيطة التي أحضرتها لها أم جاسر، والتي كانت تفوح منها رائحة هادئة بسيطة. شعرت بأنها إنسانة مختلفة عن تلك التي دخلت قبل قليل، جسدها كان أكثر استرخاءً، لكن روحها كانت لا تزال جريحة. وجدتها في انتظارها، وقد أعدت لها كوبًا من اللبن وبجانبه طبق فايش على صينية صغيرة ابتسمت لها بحنان. _تعالي يا بتي، اقعدي نشفي شعرك. جلست نغم بصمت على طرف السرير، وأخذت منها الكوب ويداها ترتجفان قليلًا.
بدأت أم جاسر في تجفيف شعرها بفوطة ناعمة، بحركات بطيئة وحنونة، حركات أمومية كانت نغم في أمس الحاجة إليها. _بصراحة كان نفسي في بت اهتم بها وتهتم بيا واعمل معها زي ما بعمل دلوجت، بس نصيبي من الدنيا أخرج بإبن واحد. ساد الصمت لعدة دقائق، لم يكن صمتًا محرجًا بل كان صمتًا مريحًا، كهدنة قصيرة في حرب طويلة حتى انتهت من تمشيط خصلاتها ثم تحدثت بهدوء، وصوتها كان دافئًا كلمساتها وهي تجعل نغم تستدير إليها
_عارفة إن الكلام دلوجت تجيل على جلبك، وعارفة إنك شايلة منه ومن الدنيا كلها. لم ترد نغم، لكنها شعرت بغصة في حلقها. تابعت أم جاسر، وكأنها تقرأ أفكارها. _جاسر ولدي، وأنا أدرى الناس بيه طبعه واعر زي ما عمه الله يسامحه رباه، راسه يابسة واللي يحطه في دماغه لازم يعمله مهما كان التمن. عشان إكدة، عايزة أجولك كلمتين تحطيهم حلجة في ودنك الكلمتين دول هما اللي هيخلوكي تعيشي أهنه. كانت نغم تستمع، وقلبها يخفق بترقب.
_إياكِ… إياكِ تجفي جصاده. قالتها بنبرة جادة، خالية من أي تهديد بل كانت نصيحة خالصة. _جاسر عامل زي السيل، لو وجفتي في وشه، هيشيلك ويكسرك، هو بيستمد قوته من العناد والمقاومة كل ما تعاندي، كل ما هيزيد في جسوته عشان يثبت لنفسه إنه الأقوى وهو دايمًا لازم يكون الأقوى. صدمت نغم من هذا الكلام هل تطلب منها أن تكون جارية؟ أن تمحو شخصيتها؟ رأت أم جاسر الحيرة والرفض في عينيها، فابتسمت ابتسامة حكيمة وتابعت. _أني مخبراش إنك هتفهميني غلط.