رواية جديدة 15-17

_يا جدي… أنا قولتلك ميت مرة سيبك من البيت ده وتعالى عيش معانا في القاهرة. شقتنا كبيرة، وأوضتك هتبقى جاهزة، وأمي وأبويا هيفرحوا بيك، وأنا هبقى معاك. ابتسم الجد ابتسامة باهتة وحزينة. _القاهرة؟ أعمل إيه في القاهرة يا أكمل؟ أنا عامل زي الشجرة العجوزة دي اللي في الچنينة، لو شلتني من أرضي، أموت . هنا صحابي اللي فاضلين بنتقابل على المصطبة، وهنا الجامع اللي بصلي فيه من وأنا عيل، وهنا جبر جدتك اللي لازم أعدي عليه كل يوم أقرالها الفاتحة.

هناك هبجى سجين بين أربع حيطان، هبص من الشباك أشوف عمارات خرسانة بدل الزرع. قال أكمل برجاء. _بس هنا أنت لوحدك يا جدي أنا بخاف عليك. تنهد الجد تنهيدة طويلة، ووضع كوب القهوة جانباً. _وأنا بخاف أموت لوحدي يا ولدي بخاف يجي أجلي ومحدش يحس بيا غير بعد أيام. ده الخوف الوحيد اللي فاضلي في الدنيا. مد يده المرتجفة وربت على قدم أكمل. _بس ده قدري وأنا راضي بيه كفاية عليا إنك بتاجي تزورني كل ما تنزل البلد.

شوفتك دي بترد فيا الروح، وبتخليني أقدر أستحمل الوحدة كام شهر كمان. نظر أكمل في عيني جده، ورأى عنادًا وحبًا للأرض لا يمكن كسره. أدرك أنه لن يستطيع إقناعه أبدًا. كل ما يمكنه فعله هو أن يكون هنا كلما استطاع، وأن يدعو الله ألا يتحقق خوف جده الأكبر أبدًا. ❈-❈-❈ اخترقت أشعة الشمس الحارقة زجاج السيارة، لتوقظ مالك من غفوته المتقطعة. فتح عينيه ببطء، وشعر بألم حاد في رقبته وظهره من أثر النوم في وضعية غير مريحة.

للحظة، لم يدرك أين هو. كل ما حوله كان حقول قصب صامتة، والسيارة التي أصبحت كفرن صغير تحت شمس الصباح. ثم كالطوفان، عادت إليه ذكريات الليلة الماضية. صوت المأذون، وهروبه إلى هذا المكان الموحش. شعر بثقل الحقيقة يهبط على صدره من جديد، ثقل لم يخففه النوم، بل زادته قسوة الصباح وضوحًا. مسح وجهه بيديه، وشعر بالخشونة الخفيفة لذقنه التي لم يحلقها، وبالإرهاق الذي استقر في كل خلية من جسده. كان يشعر بالخواء، كأنه نسخة باهتة من نفسه.

في تلك اللحظة، انطلق صوت رنين حاد كسر الصمت، جاعلاً إياه ينتفض في مكانه. كان هاتفه الذي ألقاه على المقعد المجاور يهتز بعنف. نظر إلى الشاشة، فرأى اسم “أكمل” يضيء عليها. تردد للحظة، لم يكن يريد التحدث إلى أي شخص. كان يريد أن يظل في عزلته، في شرنقته من الألم. لكنه يعلم أن أكمل لن يتركه، وأن قلقه حقيقي. تنهد بعمق، وضغط على زر الرد بصوت أجش وبالكاد مسموع. _…ألو. جاء صوت أكمل قلقًا وسريعًا من الطرف الآخر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *