رواية جديدة 15-17

هذا الصمت لم يزد أم شروق إلا غطرسة. دخلت المطبخ ووقفت خلفها مباشرة، _بكلمك تردي عليا، من إمتى وأنتِ بتوطي لواحدة من بره؟ ولا هي عشان مرت ابنك نسيتي مقامك ومقامها؟ استدارت أم جاسر ببطء، ووجهها يحمل ضيق من تطفل نادرين التي لم تتغير مطلقاً، لكنها حاولت الحفاظ على رباطة جأشها. _البنت تعبانة يا ام زينة، مش قصة خدمة وكلام ملوش عازة.
هي إيه دي اللي تعبانة؟ دي لازم تتكسر عشان تعرف إن الله حج، وتعرف إنها دخلت بيت أسيادها. وأنتِ بدل ما تربيها، رايحة تطبطبي عليها؟ مش كفاية انه دخل عليها جبل بنتي وكمان بتعليها عليها من جبل حتى ما يتچوزوا رسمي. اقتربت منها حتى كادتا تتلامسان، وهمست بصوتٍ كفحيح الأفعى. _اسمعيني زين يا أم جاسر انتي خابرة مكانتك في البيت ده من مكانتي. بس لو فكرتي تعلي واحدة غريبة على بنتي، قسماً بالله لأطربجها على دماغ الكل.

نظرت إلى صينية الطعام باشمئزاز. _ومن بكرة هتنزل تعمل الوكل للبيت، متبجاش بنت الرفاعية في بيتنا ونجيبوا خدامين يعملوا الوكل. قطبت ام جاسر جبينها بحيرة وسألتها _يعني ايه كلامك ده؟ اكدت لها _يعني زي ما جولتلك تنزل تعمل بلقمتها. بنت الرفاعي دي أنا اللي هربيها على إيدي. وهعرفها إزاي تكون خدامة تحت رجل بنتي لما تتجوز ولدك. خرجت مادرين من المطبخ، تاركة أم جاسر واقفة بمفردها في وسط المطبخ الذي أصبح فجأة باردًا وموحشًا. شعرت بالهزيمة الكاملة لم تكن قادرة على حماية زوجة ابنها، بل لم تكن قادرة حتى على حماية نفسها.

أدركت أن نغم لم تقع في جحيم جاسر وحده، بل وقعت في قلب عش من الأفاعي، أكبرها وأشدها سمًا هي زوجة كبير الدار نفسها. ❈-❈-❈ في منزل الرفاعي كانت القلوب في داخله تنبض بإيقاعات مختلفة من الألم والقهر والفرح المكسور. كانت ليلة زفاف مزدوجة، ليلة كان من المفترض أن تكون قمة السعادة لعائلة الرفاعي، لكنها تحولت إلى مسرحية معقدة من المشاعر المتضاربة. في أحد الاماكن، جلس عدي بجانب زوجته روح. كانت روح ترتدي فستانًا أنيقًا، وفي عينيها لمعة حب حقيقية كلما نظرت إلى عدي، لكن هذه اللمعة كانت تخفت سريعًا لتحل محلها غيمة من الحزن كلما تذكرت أختها الكبرى، نغم.

كانت تشبك يدها بقوة، وكأنها بتلك الطريقة تستمد من نفسها الأمان في هذه الليلة التي شعرت فيها بأن فرحتها منقوصة، مسروقة. عدي بدوره، كان يعيش صراعًا داخليًا عنيفًا. كان ينظر إلى روح، زوجته التي لا يكن لها اي مشاعر ويحاول أن يبتسم، لكن عقله وقلبه كانا في مكان آخر كانا مع نغم حبه السري الذي لم يجرؤ يومًا على البوح به، الفتاة القوية التي أُخذت غصبًا لتكون ضحية ثأر لا علاقة لها به. كل ضحكة في الفرح كانت كالسوط على ظهره، تذكره بعجزه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *