رواية جديدة 15-17

عجز رهيب ومقيت يلتهم روحه هو سالم الرفاعي، الذي كان يستطيع أن يحرك الجبال من أجلها، يقف الآن مكتوف الأيدي، لا يملك سوى أن يستمع إلى تقرير عن عذاب ابنته عبر الهاتف. _في حاجة تانية حوصلت؟ سأل بصوت بالكاد كان مسموعًا وهنا جاءت الطعنة الأقوى. _جاسر بيه… هو اللي جالي أكلمك. اتسعت عينا سالم بصدمة. _كيف يعني؟ _هو اللي أمرني أجولك كل حاچة…. كل حاچة بتحصل معاها لما سمعني بكلمها عليك، وسمحلي أبلغك بكل حاچة بتحصل عادي

هو… هو عايزك تعرف. هنا فهم سالم كل شيء لم تكن هذه مكالمة للاطمئنان كانت هذه جلسة تعذيب نفسي، خطط لها جاسر ببرود شيطاني هو لا يريد فقط أن يسجن نغم، بل يريد أن يجعلهم سجناء معها، يشاركونها كل لحظة من ألمها وهم عاجزون عن فعل أي شيء يريد أن يذيقهم نفس القهر الذي تشعر به. شعر سالم بغصة حارقة في حلقه، وبغضب عارم يغلي في دمه، لكنه غضب مشلول، لا يستطيع أن يفعل به شيئًا لو كان جاسر أمامه الآن، بيديه لكنه بعيد، وهو هنا، لا يملك سوى أن يستمع.

أنهى المكالمة دون أن ينطق بكلمة أخرى وضع الهاتف بجانبه، وظل جالسًا في مكانه، يحدق في الفراغ لم تعد الساعة تدق، بل كان يسمع صوت بكاء نغم في أذنيه يرى صورتها وهي تحطم الأشياء، يرى انطفاء روحها في عينيها. وضع رأسه بين يديه، وشعر لأول مرة في حياته بمعنى العجز الحقيقي ليس عجز القوة أو المال، بل عجز الأب الذي لا يستطيع أن يحمي ابنته، الذي لا يستطيع أن يمسح دمعتها، الذي لا يستطيع أن يضمها إلى صدره ويخبرها أن كل شيء سيكون على ما يرام لأنه يعلم في قرارة نفسه، أن لا شيء سيكون على ما يرام بعد الآن.

❈-❈-❈ _نغم… أصوات خافتة، وكأنها آتية من بئر عميق، تنادي باسمها شعرت بوخز حاد في ذراعها آلمها قليلًا، ثم بيد حانية تمسك بيدها تربت عليها بلطف، كأنها تحثها على العودة من ذلك الظلام البارد الذي سقطت فيه. _أمي… تمتمت بالكلمة، ظنًا منها أنها تستيقظ أخيرًا من ذلك الكابوس المريع الذي أرهقها، وأنها ستجد وجه والدتها الحنون أول ما تراه. فتحت عينيها بتثاقل كانت الرؤية ضبابية، والأشكال غير واضحة، حركت عينيها بوهن، تحاول تمييز الوجوه. _روح…

_حمد لله على سلامتك يا بنتي. لم يكن صوت والدتها، ولا صوت زوجة عمها كان صوتًا غريبًا، يحمل دفئًا لم تتوقعه في هذا الكابوس. _نغم… سامعاني؟ بدأت الرؤية تتضح أمامها رويدًا رويدًا، حتى ظهرت أمامها امرأة في منتصف العمر، وجهها طيب الملامح، وبجانبها فتاة شابة ترفع يدها لتجس نبضها. _الحمد لله، فاقت يا مرت عمي. لم تفهم نغم شيئًا من شدة الدوار الذي كان يهاجمها تمتمت بضعف، وصوتها كان بالكاد مسموعًا. _أني… أني فين؟ _أنتِ في بيت جوزك يا بنتي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *