رواية جديدة 15-17

لقد أصر على النوم في نفس الغرفة، كحارس سجن يراقب سجينته. كان كل نفس يأخذه بمثابة عد تنازلي للحظة التي ستخاطر فيها بكل شيء. عندما تأكدت من أنه نام تمامًا، تحركت بخفة الأشباح انزلقت من على السرير، وقدماها الحافيتان لا تصدران أي صوت على الأرضية الباردة. وصلت إلى حقيبتها ، وأدخلت يدها المرتجفة حتى لمست أصابعها برودة هاتفها الذي خبأته بعناية. كانت تلك القطعة الصغيرة من المعدن والزجاج هي حبل نجاتها الوحيد، وصلتها الوحيدة بالعالم الذي سُحبت منه.

تسللت نحو الشرفة، وفتحت الباب الزجاجي ببطء لا نهائي، تتجنب أي صوت قد يوقظ الوحش النائم. ما إن خرجت إلى هواء الليل البارد، أغلقت الباب خلفها وشعرت بأنها تستطيع التنفس لأول مرة منذ ساعات. بأصابع ترتجف كأوراق الخريف بحثت نغم عن اسم “روح” في جهات الاتصال كان هذا هو الخيط الأخير الذي يربطها بعالمها القديم وعليها أن تتأكد هل قُطع هذا الخيط بالفعل أم أن كل ما قاله جاسر كان مجرد لعبة أخرى من ألعابه النفسية السادية.

ضغطت على زر الاتصال ووضعت الهاتف على أذنها وقلبها يدق بعنف حتى كاد يكسر أضلاعها. كل رنة كانت كالأبدية صدى لفراغ يتربص بها. على الجانب الآخر في منزل الرفاعي الذي كان يومًا منزلها. دخلت روح غرفتها كطيفٍ حزين، كان البيت كله يضج باستعدادات زائفة لفرح لا روح فيه، لكن غرفتها كانت ملاذها الوحيد للحداد، نظرت إلى فراش نغم الفارغ وشعرت بحنين جارف يمزق صدرها، كيف يمكن أن يكون مكان أختها فارغاً وبارداً هكذا.

استلقت عليه ودفنت وجهها في وسادة نغم تستنشق رائحتها المتبقية كأنها آخر أثر من وجودها، وهنا انهار السد بكت كما لم تبكِ من قبل، لم يكن بكاءً هادئاً بل نحيباً عميقاً وموجوعاً بكاءً يشبه بكاءها يوم وفاة أبيها. فاليوم مات شيء بداخلها مرة أخرى، لقد فقدت أختها توأم روحها التي انشغل الجميع عنها في دوامة الحفاظ على المظاهر. “نغم” رددت اسمها بلوعة أرهقتها وازداد نحيبها حتى اهتز جسدها بالكامل. وسط دموعها لم تنتبه في البداية لاهتزاز هاتفها بيد مرتعشة أمسكته على أمل يائس أن يكون “مالك” أو أي شخص يحمل خبراً لكن ما إن رأت اسم

“نغم” يضيء الشاشة حتى توقف قلبها للحظة ثم قفز إلى حلقها، شهقت وجلست في فراشها بسرعة البرق تمسح دموعها بعنف وتجيب بصوتٍ هو مزيج من اللهفة والخوف والهمس كأنها تخشى أن يكون حلماً. _نغم؟ بمجرد أن تسلل صوت أختها الدافئ إلى أذنها، شعرت نغم بسد منيع داخلها يبدأ في التصدع والانهيار، صوت روح كان حقيقياً يحمل حناناً فقدته ومختلفاً تماماً عن البرود القاتل الذي يحيط بها، أغمضت عينيها بقوة محاولة حبس طوفان الدموع _روح أنا….

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *