الفصل الأول إعتدلت سماح فى جلستها وهي تضع هاتفها على أذنها قائلة بلهفة: -حبييى يامجد ..أخبارك إيه..وصلت بالسلامة؟؟ أشار لها زوجها حسام بالصمت حانقا، واضعا سبابة يده على فمه بينما يشير بيده الأخرى إلى التلفاز الذى يشاهد عليه مباراة اليوم والتى يتابعها منذ برهة ومستغرق فيها بالكامل.. لتشير إليه بيدها بدورها مهدئة وهي تنهض من جواره وتتجه بهاتفها إلى حجرتها تستمع لصوت أخيها مجد وهو يقول: -الحمد لله وصلت وبكلمك من الشقة كمان. ولجت إلى الغرفة تغلق بابها خلفها وهي تبتسم قائلة: -الحمد لله..طمنتنى،قوللى أخبار حسن إيه؟ تنهد قائلا: -جيت ملقتوش ..وتليفونه كمان مقفول. قالت سماح بحنق: -حسن هيفضل حسن،ومش هيتغير..ربنا يهديه بقى..متنساش تقوله يامجد إنى زعلانة منه عشان مبيسألش علية. إبتسم مجد قائلا: -حقك علية أنا ياستى ..بس إنتى عارفة حسن،ولسة قايلاها ..مش هيتغير، طول النهار مابين الجامعة والنادى وصحابه..مقضيها بالطول والعرض ولا على باله حد..ده تلاقيه حتى نسي إنى جاي النهاردة..عموما.. أنا جيتله أهو وهظبطه ..متقلقيش. إتسعت إبتسامة سماح قائلة: -ربنا يخليك لينا يامجد..وميحرمناش منك.. خد بالك منه. قال مجد بإبتسامة ظهرت فى صوته: -فى عيونى ياموحة. قالت سماح فى حنان: -تسلملى عيونك ياقلب موحة..قوللى أخبار زوزا إي..... قطعت كلامها وهي تشهق واضعة يدها على فمها تدرك أنها تُذَكَّره بغباءها بمأساته ..ليؤكد مجد ظنها القاتم بصمته بدوره ..تدرك أنه ربما الآن يغمض عيناه ألما ويتذكرها..يتذكر صاحبة ذلك الإسم..ويتذكر تلك الأيام التى كانت تنير فيها حياته ..لتقول بهمسة مرتجفة: -مجد ... قال مجد بنبرات صوت تخللها الحزن : -معاكى ياسماح. أغمضت عينيها بألم تدرك مشاعره الحزينة ..فمن مِن المحيطين بمجد قد يشعر به أكثر منها ؟فلطالما أعدت نفسها كأم ثانية له ولأخواتها جميعا رغم أن فارق السن بينهم ليس كبيرا إلى هذا الحد،إنهم فقط بضع سنوات، ولكنها تحملت مسئوليتهم باكرا بعد وفاة والدتها بأزمة قلبية ثانية بعد تلك تلك الأزمة الأولى والتى تعرضت لها إثر معرفتها بأن والد سماح قد تزوج بالخارج وأنه لن يعود مجددا ،فتركت سماح دراستها الجامعية لتراعيهم ،وهي تدرك أنها ليست فقط أختهم الكبيرة ،بل هي الأم والأب أيضا.. قالت بصوت تهدج ألما: -أنا آسفة ياحبيبى..سؤال وخرج منى من التعود مش أكتر. قال مجد بصوت حاول جعله ثابتا قدر الإمكان وهو يلاحظ نبرات أخته الحزينة من أجله ومحاولا إنهاء المكالمة دون ان تشعر بهذا الألم الذى مزق خافقه: -ولا يهمك ياحبيبتى..أنا لازم أتعود على فكرة إنها مبقتش موجودة فى حياتى،المهم..أنا هروح بقى عشان عايز ألحق أظبط الشقة اللى تحتنا وأفرشها. قالت سماح بتساؤل: -هم جايين خلاص الشقة بكرة؟ قال مؤكدا: -أيوة ،جايين بكرة..متنسيش تسلميلى على مراد وحسام. قالت سماح : -حاضر. ثم إستطردت بنبرات حزينة: -كان نفسى أبقى معاك دلوقتى ،وأظبط كل حاجة بنفسى ،بس إنت عارف. إبتسم مجد بحنان قائلا: -متشيليش نفسك فوق طاقتها ياسماح،ياما شيلتينا وإتحملتى همومنا،جه الوقت اللى تعيشى فيه لنفسك ولجوزك وإبنك ياحبيبتى، وبعدين إحنا عارفين حسام وتحكماته ومقدرين،متقلقيش علينا.. إحنا كبرنا ونقدر نشيل هم نفسنا بنفسنا. قالت سماح بصوت تخنقه العبرات: -ربنا يحميكم يارب. قال مجد بحنان : -ويخليكى لينا،خدى بالك من نفسك ياموحة،وابقى طمنينى عليكى ،أنا مش هعرف أنزل القاهرة قبل... قاطعته قائلة برقة: -عارفة يامجد عارفة،ربنا يعينك. كاد مجد أن ينهى المكالمة حين قالت سماح بتردد: -مجد ! عقد مجد حاجبيه وهو يشعر بترددها ليقول بإستفهام: -خير ياسماح ! قالت سماح: -حسام مش وحش،هو بس.... صمتت لا تدرى كيف تصف زوجها وتعنته فى بعض الأحيان ،بل فى كثير من الأحيان،رفضه القاطع لخروجها للعمل على سبيل المثال أو إيصال طفلها للمدرسة،بل إنه يرفض أن تتواصل مع صديقة طفولتها ماجى ،لمجرد أنها لا تروق له.. فإكتفت سماح مرغمة بإتصالات هاتفية مسترقة وزيارات ماجى لها ،عندما تأتى من الأسكندرية فى إجازة مع زوجها يوسف والتى بالطبع لا يعلم عنها شيئا،أفاقت من أفكارها على صوت مجد الذى قال بهدوء: -عارف ياسماح،حسام بيحبك وبيخاف ويغير عليكى،كلنا عارفين ياحبيبتى..ومتفهمين وضعه. غشيت عيونها الدموع قائلة: -طيب متنساش تسلملى على حسن وتقوله يكلمنى. قال لها : -وإنتى كمان سلميلى على سمر وطمنيها انى وصلت اسكندرية، بكلمها بس مع الأسف تليفونها مغلق. قالت سماح وهي تحاول أن تتمالك نفسها : -هتلاقيها جوة أوضة العمليات دلوقتى ،متنساش يامجد تاخد بالك من أخت الدكتور هادى،هو رضى إن هاجر تسكن معاكم فى نفس العمارة بس عشان واثق فيكم وفى إنكم هتاخدوا بالكم منها. قال مجد بثقة: -متقلقيش ،أخته هاجر هتكون زيكم تمام،وهاخد بالى منها زيك وزي سمر،أنا مش ممكن أنسى جميل الدكتور هادى ووقفته جنبى فى محنتى. قالت سماح بتأكيد: -فعلا إنسان نبيل، ربنا يحققله أحلامه. لتقول فى نفسها بحنق: -ويلين قلب أختك وترضى عنه،الراجل واضح أوى إنه بيحبها بس هي ولا فى دماغها أساسا. أفاقت على صوت مجد وهو يقول: -يارب..لا إله إلا الله . قالت سماح : -محمد رسول الله. ثم أغلقت الهاتف وضمته إلى صدرها،لتخرج منها تنهيدة حارة عبرت عن شوقها العميق لأخيها منذ الآن،لقد سافر إلى الإسكندرية كما نصحه الطبيب النفسي هادى ليبتعد عن جو القاهرة المشحون بالذكريات المريرة،وذهب يعيش مع أخيهم حسن فى شقتهما الرابضة فى تلك البناية التى يمتلكونها بالإسكندرية ،بعد أن كانوا قد تركوها جميعا ليعيشوا بجوار سماح فى القاهرة عندما تزوجت وإنتقلت إلى القاهرة مع حسام زوجها،حيث كانت هناك شقة فارغة فى نفس البناية التى يقطنون بها فكانت أكثر من مناسبة لكي لا يفترقون عن بعضهم البعض..نقلت سمر دراستها إلى كلية الطب بجامعة القاهرة ثم تخرجت وعملت بتلك المستشفى الخاصة والتى يمتلكها أستاذها فى الجامعة الذى توسم فيها التفوق والمهارة والذكاء والإخلاص فى العمل،فإستقرت سمر بدورها وراقت لها القاهرة كثيرا فلم تفكر فى العودة إلى الأسكندرية مجددا،بينما عاد أخاهم حسن إلى الأسكندرية للدراسة فى جامعتها بعدما مر بتجربة عاطفية سيئة هنا. أما مجد فتزوج بفتاة تقطن بجوارهم ..بعد قصة حب رائعة وإنتقل للسكن معها فى المبنى المقابل لهم بعد سفر أختها لبلدتهم الصغيرة،وكانت الحياة جميلة ومستقرة حقا لهم جميعا..فكانت سماح إلى جوار أخواتها وكأنها بينهم تماما، تراهم يوميا وتطمئن عليهم فيما عدا حسن الذى تراه فى الإجازات فقط،حتى كانت تلك الحادثة المشئومة،والتى قضت كلية على هذا الذى تُعِدَّهُ دعامتها فى تلك الحياة-أخاها مجد-هذا الذى جعلته تلك الحادثة ظلا لرجل، ليس بميت ولا هو على قيد الحياة . ولكنها تأمل فى سفره الآن أن يعود الأمل لنبضاته والرغبة مجددا فى تلك الحياة التى إفتقدها مع رحيل (زوزا)-زوجته-وصديقتها الرقيقة الجميلة التى تفتقدها بشدة،نزلت من عيونها دمعة مع تدفق الذكريات،لتترك الهاتف جانبا وهي تمد يدها تمسح دمعتها برقة قبل أن تتنهد مجددا وتخرج من الغرفة،تتجه إلى حيث زوجها...حسام. ******************** جلست سماح بجوار حسام،تبدو حقا وكأنها تشاهد معه المباراة على التلفاز ولكنها كانت شاردة فى عالم آخر،عالم ملئ بذكرياتها التى حاولت أن تواريها فى أعماق النسيان ولكنها تدفقت الآن و لا تدرى سببا لتدفقها... إنتفضت على صوت حسام وهو يلعن الحكم لإعطاءه خطأ على لاعب الفريق الذى ينتمى إليه زوجها ويكاد يكون متعصبا له،لتنظر إليه وهو يطالع التلفاز بإنتباه شديد وتحفز،ترجوه بعينيها وقلبها أن ينظر إليها مرة واحدة كالماضى ،يرنوا إليها بنظرة عشق تسعد قلب أضناه الزمن وأنهكته الوحدة. عقدت حاجبيها تتساءل عن فتور علاقتهما سويا بعد أن كان عشقهما بالماضى ملتهبا ،حتى أنها لم تفكر للحظة وهي تتزوجه وتتبعه إلى القاهرة ،فى مكان لا تعرف فيه أحد على الاطلاق،تخاطر بالإبتعاد عن أخواتها من أجله ولولا حظها الحسن الذى سهل إنتقال أخواتها معها لظلت بعيدة عنهم،مجددا من أجله،وتراهم فى المناسبات فقط. وقد كان هو متيما بها بدوره،لا يفارقها أبدا ،يغمرها بكلمات العشق وهمساته،حتى فى أصعب لحظاتهم وحين كانا يتشاجران بقوة ،كانت تبكى فيقوم بإحتضانها على الفور معتذرا عن تفوهه بكلمات لا يعنيها حقا فيزول غضبها منه وكأنه لم يكن وتنسى حزنها من أفعاله،وتعنته معها فى كل شئ فقط بين أحضانه،لتعود حياتها معه وردية كما كانت،ولكنه فى الآونة الأخيرة لم يعد حقا كما كان . لقد بات لا مباليا بها..عصبيا،منشغلا عنها بعمله الجديد وحتى عندما يكون بالمنزل،يصبح محور إهتمامه التلفاز وبرامج الرياضة المتنوعة على قنواته،أو هاتفه الذى يضع عيونه على شاشته طوال الوقت،حتى باتت تشعر أنه كزوجة ثانية لها،تغار من هاتفه وبشدة.. رجعت بذاكرتها قليلا إلى الوراء.... لقد تزوجته فى سن الواحدة و العشرون،وعاشت معه قصة حب تتذكرها بأدق تفاصيلها حتى تزوجا وأنجبا مراد ،وحتى بعد إنجابها لطفلها لم تنضب مشاعرهما كما كانت تسمع عن المتزوجون الذين تفتر مشاعرهم بعد الإنجاب،بل ظلا عاشقان رغم كل المشاكل التى كانت تحدث بينهما، فكلمة طيبة منه كانت تمحى كل أحزان قلبها،نعم هي طيبة القلب وربما ساذجة فى علاقتها بحسام كما تدعوها ماجى، ولكن يكفيها أنها بتلك الطيبة كانت تعيش بسعادة مع زوجها، حتى بضعة اعوام مضت،حين قرر زوجها أن يترك وظيفته ويفتتح عمله الحر،ومن وقتها تباعد عنها رويدا رويدا ،تحاول هي بكل جهدها أن تقترب منه فيقابل كل محاولاتها برد فعل سلبي إحتارت فى تفسيره،وها هي على مشارف الثانية والثلاثون،ربما تبدو أصغر من سنها وربما هي حقا مازالت صغيرة السن ولكنها تشعر من داخلها بأنها إمرأة عجوز،إكتفت من الحياة حتى ملتها ،كم كانت لديها من الآمال الكثير،آمال كادت أن تغتيل بقسوة على يد حسام معللا رفضه الدائم لتحقيق آمالها بأنه يحبها ويغار عليها بجنون،لترضخ هي وتتنازل عن أحلامها واحدا تلو الآخر حتى.... إنتفضت مجددا على لعنات زوجها لحارس المرمى التابع لناديه والذى لم يستطع صد هدف من الفريق المنافس،لتدرك أن تلك الليلة لن تمر مرور الكرام فزوجها يظل عابسا حين يخسر ناديه وحين تواسيه ينفجر فيها متهما إياها بالتحيز لفريقها ،و أنها تشجع الفريق المنافس ،وهو الفريق الفائز بالطبع،لذا لابد وأنها لا تشعر به وبما يعانيه،وكأن الكرة هي حياته ،وليست هواية أو رياضة تحتمل الفوز والخسارة ..تبا..كم باتت تكره حتى الرياضة. أفاقت من أفكارها مجددا على صوت مراد الذى خرج من غرفته متجها إليها،يحمل فى يده كتاب القصة الإنجليزية المقررة عليه فى المدرسة قائلا وهو يشير إلى قطعة فى الكتاب: -ماما من فضلك مش فاهم الباراجراف ده كله ،كلماته صعبة وتقيلة والمستر مشرحهاش. كادت أن تقول شيئا،ولكن صوت حسام قاطعها قائلا بحنق: -قومى ياسماح مع إبنك الله يباركلك وروحوا الأوضة بتاعته ذاكروا،وسيبونى أركز مع الماتش،أنا مش عارف هلاقيها منكم ولا من الحكم ولا من اللاعيبة ولا من الحارس الحمار ده. نهضت سماح بسرعة مشيرة لمراد أن يسبقها على الحجرة فذهب على الفور ،لتميل سماح على حسام قائلة بصوت هامس يشوبه الحنق: -ياريت تهذب ألفاظك شوية أدام الولد ياحسام. ثم تركته وإتجهت إلى الغرفة يتابعها بعيون حانقة قبل أن يعود بعينيه إلى المباراة حين علا هتاف الجماهير معلنا عن هدف التعادل،ليصفق حسام بقوة متناسيا غضبه من تقريعها له......مؤقتا. **************** تراجعت سمر فى مقعدها تستند إليه بظهرها وتغمض عيناها بإرتياح،فلقد كانت مجددا وداخل غرفة العمليات ،تنقذ حياة. لقد كان اليوم رجلا كاد أن يفقد حياته فى حادث سيارة ،ولكنه نجا بفضل الله،ليصارع الحياة مجددا معها فى غرفة العمليات ويكاد ان توافيه المنية أكثر من مرة ولكن إرادة الله وفضله مع إصرارها وبراعتها أبوا أن يدعوه يرحل لينجو مجددا من الموت على يدها فتشكر الله لتسخيره إياها فى إنقاذ حياة إنسان،دائما هي هكذا منذ أن إتخذت الطب مهنة،وعملت بتلك المستشفى. تشعر أنها فى صراع دائم بين الحياة والموت،غالبا وبفضل الله ماتفوز ولكن عندما تخسر،تفقد جزء من روحها مع تلك الخسارة لتشعر بأنها ربما تكون صغيرة السن ولكن بداخلها تقبع عجوز فى السبعين على وشك الموت ،لا تشعر مجددا بالحياة سوى هناك..فى غرفة العمليات. أفاقت من أفكارها على صوت طرقات على الباب لتفتح عيونها وتعتدل طالبة من الطارق الدخول،ليطل هادى برأسه مبتسما بهدوء قائلا: -فاضية شوية؟ إبتسمت بهدوء وهي تومئ برأسها وتشير إليه بالإقتراب..ليدلف إلى الغرفة ثم يغلق الباب خلفه ويتقدم بإتجاهها يلاحظ ملامحها الحزينة دائما والتى أصبحت جزءا منها ،جذبته تلك الملامح الحزينة إليها منذ اليوم الأول لعملها فى تلك المستشفى،ذلك الحزن الذى لاتدرى عنه شيئا ولا تلاحظه فى تلك الإبتسامة التى تعلو ثغرها ولكن لا تصل أبدا إلى عينيها التى يقبع فيهما هذا الحزن،والذى تمنى مع إزدياد مشاعره تجاهها ان يسبر أغواره ويمحيه من تكوينها لتشرق عينيها الجميلتين بالسعادة والحياة.. شعرت سمر بالإرتباك من تأمله الصامت لها،ينتابها إضطراب لا تشعر به سوى فى حضوره تتعجب فى نفسها عن ذلك الإضطراب الذى يعتريها حين يطالعها بنظراته المتأملة ولكنها دائما ما تنفض تساؤلاتها وتخبر نفسها أنها طبيعتها التى تخشى الرجال . بل وتحمل لهم بعض الشعور بالإزدراء أحيانا ولكنها تستثنى منهم أخواتها وهذا الرجل الذى يقف أمامها والذى رغما عنها تكن له الإحترام وبعض الود خاصة بعد موقفه الأخير معها ومساندة اخاها بكل كيانه،وربما لولاه لتطورت الأمور إلى إنتحار ثان يقضى على حياة أخاها بالكامل.... توقفت عن التفكير وهي تتمالك نفسها قائلة : -خير يادكتور هادى؟ أفاق من شروده فى ملامحها وهو يعدل نظارته الطبية بحرج قائلا بإرتباك وهو يتقدم بإتجاه المكتب: -إحمم..الحقيقة أنا كنت جاي أستشيرك فى مسألة كدة..يعنى..تقدر تقولى عليها خاصة. عقدت حاجبيها وهي تنظر إليه يجلس أمامها ويطالعها بترقب ،تتعجب من رغبته لتدخلها فى أموره الشخصية ولكنها نحت تعجبها جانبا وهي تقول بجدية: -خير يادكتور؟إتفضل ..أنا سامعاك. شعر بالإرتباك أكثر من جديتها فى الحديث..ليسعل بخفة يجلى حلقه واضعا يده على فمه،ثم ناظرا إليها وهو يقول: -إنتى عارفة إن فرح الدكتور محمود والممرضة حنان بكرة والحقيقة كنت حابب أجيبلهم هدية ،وأنا مليش فى موضوع الهدايا ده إطلاقا واللى كانت بتساعدنى فيه أختى هاجر وللأسف وزي ما إنتى عارفة أختى ..يعنى..سافرت إسكندرية النهاردة عشان دراستها وكدة،فلو وقتك يسمح يعنى..لو ممكن.... وصمت يشعر بالإضطراب لتقول سمر بهدوء: -عايزنى أجيبلك أنا الهدية ،مش كدة؟تمام مفيش مشكلة،هخلص الشيفت بتاعى وأخرج أختارهالك علطول. عدل هادى من وضع نظارته الطبية مجددا يشعر بالإضطراب وهو يقول: -هو يعنى.. لو أمكن.. ممكن نروح مع بعض ..يعنى ممكن أختارها معاكى؟ شعرت بالإضطراب على الفور لإقتراحه ذلك ،وطلبه الخروج معها لإختيار الهدية،لا تدرى سببا لخوفها ،سوى خشيتها التعرف عليه أكثر ،فلم تقترب أبدا من رجل جيدا لتتعرف عليه،كانت تصد جميع محاولاتهم للتعرف إليها،ولكن هذا الطبيب هادى يتسلل إلى حياتها رغما عنها ،تارة من خلال عملها معه فى المستشفى ورؤيتها الدائمة له ،يحيطها بإهتمامه رغم أنها لم تلق بالا بالسابق ،لأنها أدركت أن هذه طبيعته المحبة للإهتمام بالجميع وخاصة أن تلك المستشفى خاصة بعمه وهو المسئول عنها كلية بتفويض منه..وتارة كطبيب نفسي؟فمنذ حادثة أخاها مجد وهي تشعر به يتسلل إلى حياتها أكثر ،يصل لخباياها التى تواريها عن الجميع،يتسلل إلى نفسها التى حرصت على إبعادها عن كل ما يحمل لقب مذكر. تخشاه حقا..فكلما نظر إليها كما ينظر إليها الآن شعرت بتلك النفس التى تمتلكها عارية أمامه تماما ،يصل لكل أسرارها بيسر،ودون جهد يذكر. ورغم شعورها ذلك إلا أنها وجدت نفسها عاجزة عن رفض طلبه للذهاب معها ،فبم ستفسر له سبب رفضها؟ طمأنت نفسها القلقة بأن الموضوع لا يستأهل كل هذا القلق،وأنها ستخرج معه تحضر الهدية بهدوء وعملية ثم يفترقان ،هكذا إذا..... لا إرتباط..لا تقارب..لا شئ مطلقا. لتهز رأسها موافقة على إقتراحه بهدوء،لتشعر بالندم على الفور وهي ترى أساريره التى إنفرجت وعيونه التى لمعت خلف نظاراته..وهو ينهض قائلا: -متشكر أوى يادكتورة،هستناكى بإذن الله بعد المستشفى فى العربية،سلام. قالت بصوت خافت مضطرب: -سلام. إتجه إلى خارج الغرفة بخطوات واسعة مغلقا باب الغرفة،لتزفر سمر بقوة ثم تتراجع فى مقعدها تستند مجددا إلى ظهره وتغمض عيناها قائلة بهمس : -شكلك غلطى ياسمر،بس فات الأوان ومش هتقدرى تتراجعى فى كلمتك اللى إديتيهاله،وشكل ظنك كان فى محله،فحاولى ياسمر،حاولى تقفلى الباب اللى مصر هو يفتحه،حتى لو قفلتيه بالجرح،هيكون جرح بسيط ويقدر يلم بسرعة،لكن لو فضلتى فاتحة الباب ده،هينتهى بجرح خطير وملوش علاج،وآخرته..آخرته هتكون... الموت. لتفتح عينيها تظهر فيهما نظرة تصميم رافضة لتلك النهاية،ومصرة على تغييرها .....كلية. الفصل الثانى كان هادى يضع يده على مقود السيارة ،يدق بسبابته عليه فى توتر إمتزج بلهفة ، فبعد دقائق ستكون سمر إلى جواره فى السيارة فى أول لقاء لهم خارج جدران تلك المستشفى،إنه لقاء إنتظره منذ أن تسللت إلى وجدانه وأحبها،وصار يتمناها بكل كيانه.... عملية هي ،ملتزمة ،لا تقبل بأي تجاوز من زملائها،ولا تسمح بأن يكون الحوار بينها وبينهم خارج نطاق العمل. وهذا ماجذبه إليها كلية وأثار إعجابه بها منذ البداية،ولولا أزمة أخاها الأخيرة ما إقترب منها إنشا واحدا ،ولظل بالنسبة إليها طبيب المستشفى النفسي والمسئول عنها فقط ،تكتفى بتحية مقتضبة منها حين تقابله صدفة فى طرقات المستشفى،أو حين يستدعيها لحالة طارئة. حاول كثيرا أن يلمح لها عن مشاعره فلم يجد منها قط ما قد يمنحه تلك الفرصة، ليصمم على خلق تلك الفرص من لاشئ والتعبير لها عن مشاعره،فلم يجد غير زواج زملائهما حجة مناسبة ليبدأ بها. قاطع أفكاره خروجها من باب المستشفى ليتجمد كلية وتحتبس أنفاسه داخل صدره وهي تتقدم من سيارته بخطواتها الرشيقة. جميلة هي ،يعرف،رائعة الملامح والشخصية،لا تدرك جمال تكوينها الذى يخطف أنفاسه ويوقف دقات قلبه ويتركه متوسلا عشقها كي تمنحه الحياة من جديد،أفاق من أفكاره وهو يترجل من سيارته بسرعة يستقبلها بإبتسامة،لتقابله بتحية مقتضبة أحبطته، ولكنه أسرع إلى جانب السيارة الآخر يفتح لها الباب برقة، فولجت إلى السيارة بهدوء. أغلق الباب خلفها وأسرع إلى مكانه خلف المقود قائلا: -أنا متأسف جدا..عارف ان الوقت متأخر وانتى أكيد تعبانة بس..... قاطعته قائلة: -مش مشكلة ،بس ياريت نخلص بسرعة لإن فعلا الوقت متأخر. أومأ برأسه وهو يقود سيارته بإتجاه ذلك المول التجاري المعروف،يشعر بدقاته تعود إلى الحياة بقوة وتمنحه شعورا رائعا بالسعادة ،فقط لكونها.... بجواره. بينما كانا غافلين عن عيون رصدت هذا المشهد لتقول صاحبتهما بحقد: -آل وعاملالى الشريفة العفيفة اللى بتصد كل معجبينها من دكاترة المستشفى،وأتاريها راسمة على تقيل وحاطة عنيها ع الراس الكبيرة،أنا عارفة إيه بس اللى عاجبهم فيها ؟دى حتى كشرية ومعصعصة،ماشى ياست سمر،بكرة تلاقى فضيحتك على كل لسان فى المستشفى ،مبقاش أنا تهانى إن ما خليتك تحطى وشك فى الأرض وعينك متجيش فى عينى تانى، ولا تزعقيلى كل شوية على الفاضية والمليانة،ومش بعيد تستقيلى خالص وتريحينا من وشك يادكتورة. لترتسم إبتسامة خبيثة على وجهها وهي تطالع هذا الفيديو الصغير الذى صورته بعدسة هاتفها،تقوم بإرساله إلى كل العاملين بالمستشفى....بلا إستثناء. ******************* ألقى مجد نظرة شاملة على الشقة يتأكد من أنه لا شئ ينقصها مطلقا،فقد إختار كل شئ بعناية،تأمل محتويات المكان ليدرك فى ألم أنه إختار كل شئ كما كانت تحبه زوجته تماما،ورتبها كما كانت لترغب بالضبط. ورغم اعتراضه بالماضى على تدقيقها فى كل الأمور حتى فى ترتيب أثاث المنزل ووجوب أن يكون كل شئ فى مكانه الصحيح،تكاد أن يكون لديها هوسا بذلك..إلا أنه الآن يراه شيئا مميزا بها،فقد أدرك الآن فى حزن أنه حتى هوسها ذلك قد عشقه دون أن يدرى، وها هو الآن يفعل كل ما كانت تفعله راغبا محبا،بعد ان كان معترضا،ولكن للأسف بعد فوات الأوان. أغمض عينيه متنهدا قبل أن يفتحهما مجددا يلقى نظرة أخيرة على الشقة قبل أن يتجه إلى الباب بخطوات بطيئة ،حزينة .....ونادمة. ******************** كانت سمر تقف فى الركن الخاص بهدايا الزفاف تتنقل عيناها على الهدايا بروية،عاقدة حاجبيها بتركيز بينما يقف هادى بجوارها ينظر فقط إليها،يشعر بقربها الشديد منه لأول مرة،يتسلل إليه عطرها الرقيق فيثير حواسه،يرى تفاصيلها عن قرب لأول مرة. خصلات شعرها البنية الناعمة والتى يتخللها خصلات ذهبية قليلة،قرنيتها البنية الرائعة يظلل حوافها أيضا ذلك اللون الذهبي اللامع،والذى يلاحظه أيضا لأول مرة،أذنها الصغيرة الناعمة والتى يتدلى منها قرط فضي رقيق تفركه بيدها الآن فى تفكير،لتنظر إليه فجأة وهي تقول: -إيه رأيك ..... توقفت عن الكلام وهي تراه يطالعها بنظرته تلك والتى أربكت كيانها بالكامل ،ليشعر هو بالخجل لضبطها إياه متلبسا بتأملها،تنحنح وهو يعدل من وضع نظارته الطبية فى حركة باتت تدركها جيدا وتدرك أنه يلجأ إليها فقط حين يشعر بالتوتر او القلق،لينظر بإرتباك إلى الهدايا قائلا بنبرات حاول جعلها ثابتة قدر ما إستطاع: -رأيى فى إيه؟ تجاهلت سمر مشاعرها المرتبكة فى محاولة منها لتكون عملية كما إعتادت دائما وهي تشير إلى تحفة رائعة على شكل بيانو،يجلس أمامه عازف وسيم..تابع هادى إشارتها ليرى إختيارها، تعجب قليلا من هذا الإختيار ليترجم شعوره إلى كلمات وهو يقول: -وإشمعنى دى اللى عجبتك؟ هزت سمر كتفيها قائلة: -مش عارفة،يمكن لأنى عارفة ان الممرضة حنان بتحب الموسيقى والعازف ده شبه دكتور محمود إلى حد ما،فيعنى ..حسيتها تليق بيهم. تأمل هادى تلك الهدية التى إختارتها قليلا ليدرك أن لديها فعلا وجهة نظر أعجبته ،رغم تلك النيران التى إشتعلت فى خافقه لإدراكها التشابه الفعلي بين ملامح محمود وملامح ذلك العازف،يتساءل بصمت.. ترى هل يمكنها أن تدرك ملامحه هو أيضا إن رأت شبيه له فى أي شئ حتى لو كان تمثال جامدا كهذا التمثال؟لينفض غيرته وهو يقول بإبتسامة هادئة: -الحقيقة إختيار موفق جدا؟رغم انى مكنتش متوقع إنك هتختارى هدية رومانسية زي دى،توقعت يعنى تختارى حاجة عملية أكتر. إعتلت حمرة الخجل وجنتيها ،ربما لأول مرة منذ أن عرفها هادى،ليزداد هو إعجابا بها ..بينما قالت هي بإضطراب: -فعلا الحقيقة أنا لو بختار لنفسى كنت هختار دى. تابع إشارتها إلى حافظة أقلام توضع على المكاتب على شكل برج إيفل..ليعود بنظراته إليها وهي تستطرد قائلة: -بسيطة وعملية زيي بالظبط،بس لما بنختار هدية لازم نفكر فى ذوق اللى هنهاديه بيها ،مش بنكتفى بذوقنا وبس. أومأ برأسه موافقا،وهو ينظر إليها بإبتسامة أربكتها ..لتقول بإضطراب،تتعجل إفتراقها عنه: -لو موافق على إختيارى يبقى كدة تمام،تروح تحاسب وأنا همشى..لإنى بجد إتأخرت. عقد حاجبيه لا يريد رحيلها بتلك السرعة،يقول بلهفة عجز عن إخفاؤها: -طيب إستنى هوصلك فى طريقى. قالت بلهجة نافية،قاطعة: -مش هينفع،إحنا فى منطقة الكل عارف فيها التانى ولو شافونى راجعة مع حضرتك وخصوصا فى الوقت ده،مش هترحم من لسانهم. نظر إليها بإحباط يدرك منطقية كلماتها،ولكنه يخشى أن تعود للمنزل فى هذا الوقت المتأخر دون أن يكون معها لحمايتها..لذا قال بهدوء: -طيب إستنى ،على الأقل هوقفلك تاكسى وهمشى وراكى بالعربية. كادت أن تقاطعه ليقول فى حزم: -أنا مصر ،من فضلك مترفضيش. تنهدت قائلة: -تمام هستناك برة. أومأ برأسه موافقا فغادرت بهدوء تتبعها عيناه بقلة حيلة فقد أمل أن يقترب منها أكثر ولكنها مازالت تضع له حواجز وحدود تريد بها أن تصد مشاعره ومازالت تنجح رغم محاولاته ،ولكنه ابدا لن يستسلم وسيحاول بكل قوته أن يزيلها كلها،ليتنهد وهو يمسك بتلك الهدية التى إختارتها للعروسان،قبل أن تلمع عيناه وهو ينظر إلى إختيارها ....هي. ******************** دلف حسن إلى منزله بهدوء مغلقا الباب خلفه لينتفض ملقيا بهذا الكيس الذى يمسكه أرضا حين وصل إليه صوت أخاه مجد الساخر وهو يقول: -حمد الله على السلامة ياسى حسن،ما لسة بدرى. نظر حسن إلى مجد الواقف على عتبة حجرته مستندا إلى بابها فى دهشة قائلا: -مجد ! إقترب مجد منه قائلا بسخرية: -أيوة مجد،مجد اللى قايلك إنه جاي النهاردة بس إنت ولا على بالك طبعا وأكيد نسيت. إبتسم حسن وهو يقترب منه قائلا بنبرة آسفة: -معلش ياأبو الأمجاد حقك علية،أنا فعلا نسيت ..بس والله كان يوم مشحون نسانى حتى إسمى. إقترب منه يسلم عليه ،راغبا فى أن يأخذه بين أحضانه ليوقفه مجد قائلا بحزم: -لا هسلم عليك ولا هحضنك قبل ما أعرف كنت فين وإتأخرت ده كله ليه،ولا إنت متعود على كدة بقى وإحنا فى القاهرة نايمين على ودانا. إتسعت إبتسامة حسن وكتف ذراعيه أمام صدره قائلا: -والله أنا لو متجوز ،مراتى ما هتعاملنى بالشكل ده،ولا هسمحلها أصلا..عموما ياسيدى، لأ ، مش متعود، وكنت مع واحد صاحبى بنتبرع بالدم لوالد واحد تانى من أصحابنا، ولو إنى مش مجبر أبرهنلك بالدليل على كلامى،لإنك المفروض تصدقنى..بس إتفضل ياسيدى. وأخرج من جيب بنطاله الهاتف ومده بإتجاهه قائلا: - إتصل بآخر رقم على التليفون ،ده رقم صاحبى اللى اتبرعنا لوالده بالدم..تقدر تتصل بيه وتسأله. لم يكن فعلا مجد بحاجة لأن يتصل بأحد ليتأكد من صحة كلام أخيه،فإن كان حسن شابا يعيش الحياة بطولها وعرضها إلا أنه أبدا لا يكذب ولا يخون ولا يفعل ما يغضب الله من كبائر،فقط بعض الأخطاء الصغيرة والتى سيحرص مجد على تقويمها وحث أخيه على تركها طوال إقامته الجبرية معه،ليبعد مجد يد أخيه الممسكة بالهاتف وهو يحتضن حسن قائلا بحب: -وحشتنى ياأبو على. ضمه حسن بدوره قائلا بمزاح ساخر: -بعد إيه بقى،ما كان من الأول. وكزه مجد قائلا: -ماتتلم بقى،مش كفاية نسيتنى، وسبتنى طول اليوم بجهز فى الشقة لوحدى. خرج حسن من أحضان أخيه يضرب رأسه بخفة قائلا: -أيوووه ياجدعان،فى دى عندك حق وأنا غلطان بس والله اللى حصل النهاردة لبخنى،حقك علية يامجد. وكزه مجد مجددا بخفه فى كتفه قائلا بإبتسامة : -ولا يهمك ياأبو على. تفحص حسن ملامح أخاه قائلا: -إنت كويس يامجد؟ بهتت إبتسامة مجد للحظة قبل أن يقول بثبات: -هبقى كويس ياحسن ،هبقى كويس. ربت حسن على كتف أخاه مشجعا،ليربت مجد على يد أخاه يخبره بنظراته أن كل شئ على مايرام..ليومئ حسن برأسه قبل أن يقول : -ها ..إتعشيت ولا مستنينى؟ تنهد مجد قائلا: -مليش نفس. إتسعت عينا حسن قائلا: -ملكش نفس إيه بس؟ده انت ابن حلال وأنا جايب معايا كباب . ثم ذهب إلى الكيس الذى ألقاه أرضا وإلتقطه قائلا بحنق: -هو صحيح بقى كفتة ،بس هيتاكل بعون الله. ليتقدم بإتجاه أخيه يتوقف أمامه وهو يرفع الكيس أمام وجهه قائلا: -معايا ولا هضربه لوحدى؟ إبتسم مجد قائلا: -معاك طبعا،زي بعضه..كفتة كفتة. إبتسم حسن قائلا: -إشطة ياكبير ،هو ده الكلام. ضربه مجد على رأسه بخفة قائلا: -ما تتعدل فى كلامك بقى،إيه اللى إنت بتقوله ده؟ فرك حسن رأسه قائلا بحنق: -بهزر معاك ،على فكرة إيدك تقيلة وأنا مش هسكت. رفع مجد حاجبه الأيسر قائلا بتحدى: -هتعمل إيه يعنى؟ حرك حسن حاجبيه صعودا وهبوطا قائلا: -هروح أحضر الأكل طبعا. ليتقدم بإتجاه الطاولة تتبعه عينا مجد لترتسم على وجهه إبتسامة خالصة لأول مرة.... منذ شهور. ****************** قالت ماجى برقة: -صباح الورد ياموحة. إبتسمت موحة بحب قائلة: -صباح الفل ياقلب موحة،أخبارك إيه ياقلبى؟ قالت ماجى بملل : -العادى،أنا هتجنن من جيسى والصراع الأبدى ما بين دراستها ولعبها الجمباز فى النادى واللى طبعا أهم عندها من المدرسة والمدرسين ومامى ذات نفسها ،ولا حماتى دى كمان.. ربنا يسامحها بقى، لسة بتزن على يوسف عشان تخلينى أجيب بيبى كمان ،ومن يومين سمعتها بتقوله إنى كبرت فى السن ولازم ألحق أخلف قبل ما العضمة تكبر ومقدرش أفرحها بحفيد جديد. ضحكت سماح بقوة لتستطرد ماجى قائلة: -إضحكى ياأختى إضحكى،ماهو إنتى معندكيش حما محسساكى إنك خلاص داخلة على سن اليأس ومش هتخلفى تانى. ظهر الحزن فجأة فى عيون سماح وهي تقول: -أعذريها يا ماجى ،إحنا فعلا مبقيناش صغيرين وبقينا فى التلاتينات "وفرصنا فى الحمل بتقل. أغمضت ماجى عيناها تلعن لسانها الزالف والذى لابد وأنه آلم صديقتها التى تحاول الإنجاب منذ سنوات ،ولكنها لم توفق،فقد حملت فى مراد بمعجزة كما قال الطبيب،رغم أن فحوصات كل من سماح وحسام سليمة وليس بهما اي عيب يمنعهما من الانجاب، ومنذ أن كبر مراد قليلا وهي تحاول الإنجاب دون جدوى،لتقول بصوت نادم: -أنا آسفة،والله ما خدت بالى... قاطعتها سماح قائلة: -عارفة ياميجو،المهم قوليلى يوسف عامل إيه؟ قالت ماجى بتنهيدة: -يوسف مشغول اليومين دول مع صاحبه اللى قلتلك عليه،بيظبطوا أوراق الشركة اللى هيفتحوها مع بعض..تقريبا مبقتش أشوفه. قالت سماح بإحباط: -يعنى مش هتيجوا القاهرة قريب عشان أشوفك؟ قالت ماجى: -والله لسة مش باين ،بس فيه أوراق هيسافر يوسف القاهرة عشان يخلصها،هحاول أزن عليه كست مصرية أصيلة عشان يخلينى آجى معاه وساعتها أكيد هشوفك..وإنتى بقى مش ناوية تزنى زيي وتيجى إسكندرية. تنهدت سماح قائلة: -والله نفسى وخصوصا عشان عايزة أشوف أخواتى ،بس إنتى عارفة حسام..مبينفعش معاه الزن أبدا. قالت ماجى بحنق: -حسام ده مبينفعش معاه حاجة خالص،ربنا يعينك عليه،أنا منساش أبدا رفضه الغريب إنك تكملى تعليمك بعد الجواز..وإحراجه لية لما حاولت أكلمه. قالت سماح بإبتسامة: -بس إنتى مستسلمتيش وقدمتيلى من وراه،ورغم إنه قلب الدنيا ساعتها بس لما عرف إنى مش هروح الجامعة..إضطر يوافق،وبقيت أذاكر وأروح الإمتحانات بالعافية. قالت ماجى بسخرية: -ما هو من ساعتها مبيطيقش سيرتى وخصوصا إنك إتفوقتى وجبتى تقدير حلو جدا كمان. قالت سماح بحب: -كانت خطوة ريحتنى اوى والفضل الوحيد فيها كان ليكى إنتى ياماجى،لولا إيمانك بية وتشجيعك أنا مكنتش أبدا هحقق حلمى ده،ده غير السيديهات اللى بعتهالى لما عرفتى حبى للغات وخليتينى أتعلمها وأنا جوة البيت. قالت ماجى بصوت متهدج: -إنتى طيبة ياموحة وتستاهلى كل خير ده غير إنك طموحة وكلنا كنا بنتنبألك بمستقبل حلو أوى،لولا بقى الله يسامحه. تنهدت سماح قائلة : -كل شئ قسمة ونصيب وكل واحد بيحب بطريقته ياماجى،ودى طريقة حسام فى الحب،عايزنى بس مهتمش بحاجة فى الدنيا دى غيره ،عايز كل تفكيرى يكون فيه هو وبس،وحواليه هو وبس. قالت ماجى فى نفسها "هل تطلقين على الأنانية حبا؟والله ما هذا بحب أبدا..وإن كان ولابد أن نطلق عليه حبا،فالأحرى أن نقول أنه حب التملك،حب مرضي يودى بأطرافه إلى حتفهما" أفاقت من أفكارها على صوت سماح وهي تقول: -إنتى لسة معايا ياماجى؟ قالت ماجى بسرعة : -أيوة معاكى ياحبيبتى بس سيبك من سيرة حسام ،بتقفلى يومى، وقوليلى أخوكى مجد عمل إيه؟ تنهدت سماح قائلة: -هقولك ياماجى..هقولك. رواية ضلع مكسور سينجبر. بقلم شاهندة. الفصل الثالث دلفت سمر إلى المستشفى وهي فى عجلة من أمرها، فقد تأخرت فى الاستيقاظ اليوم ،ولولا أختها سماح التى هبطت من شقتها لتوقظها خصيصا ،ما إستيقظت ولربما إضطرت لتأجيل العملية وهذا ما لم تفعله أبدا طوال فترة عملها بالمستشفى،فقد قضت ليلة مؤرقة لم تذق فيها طعم النوم إلا لماما،تفكر فيما شعرت به من نظرات الطبيب هادى وإهتمامه بها ، تشعر بداخلها بأنه إهتمام شخصي يقلقها بشدة ،ويجعلها تنتوى فى المستقبل العودة إلى التعامل برسمية شديدة معه ، أو ربما تجاهله بالكامل رغم صعوبة ذلك ولكن التجاهل هو أسلم الحلول فى هذا الوضع بالتحديد... رأت فى طريقها بعض الممرضات يقفن على جنب ينظرن نحوها وهن يتهامسن،لم تعرهن اهتماما،ولكن نظرة الطبيب سامر بإتجاهها مع إبتسامته الساخرة تلك،جعلتها تعقد حاجبيها بحيرة متسائلة عن سر تلك الإبتسامة، فرغم أنه لطالما أزعجها بنظرات الإعجاب والكلمات التى توحى برغبته فى التقرب منها،ولكن نظرته تلك وإبتسامته أثارت حنقها حقا،ولكنها أيضا لم تعره إهتمامها،وهي تسرع بخطواتها،تنقى أفكارها وهي تستعد لتلك العملية التى ستقوم بها بعد قليل. ******************** كان مجد يقف فى شرفة منزله فى توتر،يضع يده على حافة تلك الشرفة ،يقبض عليها بقوة ،ثم يبعدها وهو يفرك جانب شعره بيده بينما ينظر لساعة يده بإضطراب. يدرك أنهما قد تأخرا كثيرا عن موعد وصولهما الذى أخبره به الطبيب هادى ،توقف عن الحركة تماما وهو يرى وصول تلك السيارة الذهبية التى توقفت تحت البناية ،والتى أخبره أيضا هادى عنها ،ليسرع بالهبوط إلى الشارع وإستقبالهما . وما إن خرج من باب تلك البناية،حتى وجدهما قد ترجلا منها ،تقفان جنبا إلى جنب تتطلعان إلى البناية بترقب،حاول أن يغض الطرف عنهما فأطرق برأسه وهو يقول بهدوء: -أهلا وسهلا ..نورتونا. قالت هاجر برقة: -شكرا..حضرتك أستاذ مجد؟ أومأ مجد برأسه قائلا : -أيوة أنا،إتأخرتوا ليه؟ قالت هاجر بهدوء: -العربية عملتها معانا وإضطرينا نستنى حد يزقها،كان موال الحقيقة ،وللأسف رقم حضرتك مكنش معايا عشان أبلغك. رفع وجهه يواجه بعينيه عيون هاجر قائلا: -هبقى أديه لحضرتك،عموما حصل خير..الشقة جاهزة وتحت أمركم،إتفضلوا. أومأت هاجر برأسها قائلة: -تمام،بس ياريت تشوفلنا ميكانيكى ياخد العربية يصلحها،عشان متعملهاش معانا تانى. قال بهدوء: -بسيطة..اتفضلوا. توجهت هاجر بكلماتها لتلك الفتاة بجوارها قائلة: -يلا بينا ياسمر. نظر مجد إلى سمر التى ظلت صامتة طوال الحديث،تتجاهله وتشيح بوجهها عنه،بدا عليها التردد للحظات وهي تنظر إلى هاجر،لتمسك هاجر بيدها،تشجعها بعينيها ،لتتمسك سمر بيدها بقوة. شعر مجد وقتها بأنها تشعر بالضعف والقلق وربما بعض الخوف كما أخبره الطبيب هادى عن حالتها،تحتاج فقط إلى من يؤازرها معنويا،أدرك أنها مثله تمر بأسوأ حالة نفسية قد عرفها الإنسان يوما ،فقدان الأمل والرغبة فى الحياة،وهنا لابد أن يكون هناك من يستطيع أن يمنح الأمل لمن لديه تلك الحالة وإلا سيكون المصير قاتم ..وربما أودت تلك الحالة بصاحبها لأحضان الموت.. أراد أن يمنح لها يده تتمسك بها ،يطمئنها أنها ستكون بخير ولكنه أدرك أنها لا تعرفه ،هو مجهول تماما بالنسبة إليها وربما أخافها أكثر وزاد من حالتها إن حاول منحها هذا الأمل،ليغض بصره عنها مجددا وهو يتقدمهما بصمت،غافلا عن نظرات مترددة منحتها سمر إليه ،فهذا المجد يشعرها بالقلق ..التوتر ..وشعورا آخر لم تدرى كنهه. ******************** أنهت سمر تلك العملية بنجاح لتزفر براحة وهي تزيل قفازات يدها،تغسل يديها بهدوء،وهي تحمد ربها فى سرها أنها إستطاعت إنقاذ روح أخرى من براثن الموت،طمأنت زويه على حالته بإختصار..قبل أن تتجه إلى حجرة مكتبها ليتناهى إلى مسامعها حديث جانبي . توقفت وقد أصابها الجمود وصوت الممرضة نهى يتناهى إلى مسامعها قائلة لزميلتها الأخرى: -والله الدكتورة سمر دى بجحة أوى ،أنا لو مكانها هحط وشى فى الأرض أو أستقيل،آل وعاملالنا فيها ست الناظرة اللى محدش يقدر ييجى ناحيتها..فعلا ياما تحت الساهى دواهى. كادت سمر أن تتجه إليها وتواجهها ،تطالبها بتفسير لكلماتها المقيتة تلك ولكن صوت الطبيب هادى منعها من فعل ذلك، وهو يقول بحزم: -دكتورة سمر،من فضلك عايزك فى مكتبى حالا. نقلت سمر بصرها بين هادى ونهى التى رمقتها بسخرية،قبل أن يتغلب عقلها على حنقها وهي تتجاهل الأخيرة وتتجه خلف الطبيب هادى إلى مكتبه...بصمت. ******************* توقف مجد عند عتبة الباب بينما تأملت كل من هاجر وسمر الشقة بإعجاب بدا على ملامحهما،ليشعر مجد بقليل من الإرتياح خاصة عندما إلتفتت إليه هاجر قائلة : -الشقة حلوة أوى ياأستاذ مجد. قال مجد براحة : -الحمد لله. ثم ألقى نظرة على سمر التى كانت تتلمس تلك الورود فى المزهرية التى توجد على الطاولة برقة،لترق عيناه وهو يقول: -مش محتاجين حاجة تانية؟ رغما عنها نظرت إليه عندما تناهت إليها نبراته الحانية ،لتتلاقى نظراتهما..لا تدرى لما دق خافقها بتلك السرعة ولم شعرت بالتوتر يغزو جسدها،لم تستطع الإشاحة بناظريها عنه ولم يستطع بدوره أن يبعد عينيه عن عيونها،تلك العيون الدخانية الحزينة،أفاقت من سحر نظراته..على صوت هاجر وهي تقول: -لأ ..كل حاجة تمام،إحنا متشكرين أوى. رآها تعدل حجابها بتوتر قبل أن يشيح بناظريه عنها قائلا لهاجر: -لا شكر على واجب. ليخرج من جيبه كارتا منحه لهاجر قائلا: -ده الكارت بتاعى وعليه رقم تليفونى،لو إحتجتوا أي حاجة كلمونى..عن إذنكم. إبتسمت هاجر وهي تأخذه منه بإمتنان شاكرة إياه،ليخرج من المنزل مغلقا الباب خلفه بهدوء،ولكن بداخله إشتعلت نيران من الأحاسيس يدرك بكل قوة أنه سيعانى طوال الليل وهو يحاول إخمادها ..دون جدوى. ******************** ألقت سمر بهاتف الطبيب هادى بعد أن رأت الفيديو على مكتبه قائلة بعصبية: -يعنى إيه الكلام ده يادكتور؟وإزاي سكت على حاجة زي دى؟إزاي سمحت بالمهزلة دى تحصل أساسا؟ قال هادى بتوتر: -الحقيقة أنا لسة عارف بالموضوع ده دلوقتى من دكتور نبيل،المستشفى من الصبح ملهاش سيرة غير الفيديو ده و خروجك معايا بالليل ،وكأنها خطيئة كبرى ،غلطة ومسكوها علينا..مع إنها حاجة عادية جدا ومتستاهلش كل اللى عاملينه ده. نهضت سمر قائلة بحدة: -حاجة عادية بالنسبة لك يادكتور بس مش بالنسبة لى،أنا من أول ما إشتغلت فى المكان ده وأنا فى حالى وماشية جنب الحيط،محدش فيهم كان يقدر يدوسلى على طرف،محدش فيهم كان يقدر يجيب سيرتى بكلمة،جيت إنت وبوظت كل حاجة،وإديتلهم فرصة يعلقولى المشانق،إديتلهم فرصة يمسوا سمعتى بالزور.. لتغشى عيونها الدموع وهي تجلس مجددا مرددة بمرارة: -ياريتنى ما سمعت كلامك ،ياريتنى ما شيلت جميلك مع أخويا فوق راسى ،ووافقت أخرج معاك. أطرق برأسه فى حزن،فرغم ألمه الشديد من كلماتها ولكنه يدرك أن لديها كل الحق فى غضبها ومرارتها،فلقد أضر دون قصد بسمعتها فى المستشفى والتى حافظت عليها منذ أن خطت أولى خطواتها فيها وحتى البارحة ..حين صورت له أنانيته أنه قد يستطيع الخروج معها والتقرب منها دون أن يفكر فى عواقب ذلك الأمر عليها ،بسبب هؤلاء الذين يتصيدون لها الأخطاء ويتربصون بها فقط لأنها أفضل منهم. ليرفع رأسه قائلا فى ثبات: -أنا عارف إنى السبب فى كل اللى حصل وحقيقى آسف ولو أقدر أمحى إمبارح من حياتنا كنت همحيه،بس مع الأسف اللى حصل حصل ومفيش أدامنا دلوقتى غير حل واحد. نظرت إليه فى ترقب ليقابل نظراتها بقوة قائلا بحزم: -أخطبك حالا. إتسعت عيناها فى صدمة لتنهض قائلة بإستنكار: -إنت بتقول إيه؟لأ طبعا ..مستحيل. نهض بدوره قائلا بهدوء: -إهدى بس وإسمعينى،الخطوبة دى هتبقى مؤقتة،حاجة كدة هنكتم بيها لسانهم ،فترة وهنعلن إن إحنا متفقناش وفسخنا الخطوبة ،وساعتها الكل هيعتبرها تجربة وفشلت، والأزمة هتعدى. قالت سمر بحنق: -إنت بتصلح غلطة بمصيبة يادكتور،أنا أحسنلى أقدم إستقالتى وأسيب المستشفى. مزقت كلماتها نياط قلبه،ألهذه الدرجة تمقت فكرة الإرتباط به،وتفضل عليها الإستقالة؟ولكنه نحى شعوره جانبا وهو يحاول إقناعها بفكرته لينقذ سمعتها التى أحدث بها ضررا دون قصد ،ويحقق فى نفس الوقت أمنية أنانية بحتة فى الإرتباط بها ،حتى وإن كان إرتباطا مؤقتا..ليقول بثبات: -يادكتورة،قلتلك الإرتباط هيكون لفترة قصيرة،هتقدرى من خلالها تحافظى على سمعتك اللى هي أكيد مهمة عندك،وفى نفس الوقت تحافظى على مكانتك فى المستشفى واللى تعبتى عشان توصليلها.. منطقية كلماته التى ربما ترفضها كلية بداخلها،إلا أنها لا تنكر أنها قد تكون الحل الوحيد لتلك المعضلة التى يواجهانها الآن.. كادت أن تعترض بالرغم من ذلك ولكن صوت الطبيب هادى قاطعها قائلا برجاء: -أرجوكى يادكتورة، وافقى وأوعدك مش هتندمى. نظرت إليه للحظات بتردد قبل أن تومئ له برأسها موافقة..كادت إبتسامة واسعة أن تتسلل إلى ثغره ولكنه أسرع بإخفائها وهو يومئ برأسه قبل أن يقول: -كدة فاضل خطوة واحدة. ليتجه إلى خزانة مكتبه وسط حيرتها،ويفتحها بهدوء مخرجا منها علبة مجوهرات صغيرة وهو يغلق الخزنة مجددا ومتجها إلى سمر بهدوء يقف امامها تماما..وهو يفتح العلبة قائلا: -دول دبل الخطوبة ،الحقيقة هم يخصوا والدى ووالدتى..ياريت تقبلى تلبسى الدبلة دى مؤقتا عشان نأكد الخبر،لغاية يعنى ما الموضوع ده ينتهى وساعتها تقدرى ترجعيهالى من تانى. نظرت إلى تلك الدبلة من الألماس فى تردد،ثم لم تلبث أن هزت رأسها بهدوء موافقة ،منحها دبلتها لتلبسها بتوتر وقد ناسبت إصبعها البنصر تماما،بينما إرتدى دبلته بهدوء..كم ود لو ألبسها تلك الدبلة بنفسه خاصة وقد عدلها خصيصا لتناسب مقاسها منذ أن أرادها زوجة له..وإحتفظ بها فى خزانته حتى الوقت المناسب،ولكنه يعلم أن خطبتهما تلك ليست خطبة عادية وأن الوقت المناسب لم يحن بعد..نظر لها مترددا لثوان قبل أن يحسم رأيه ويمسك يدها بهدوء كادت أن تفلتها بعصبية ليتمسك بها قائلا بحزم: -هتفضلى ماسكاها،وهنمشى قصادهم كلهم وإيدينا فى إيدين بعض،الخطوة دى صعبة ..عارف ..ويمكن مش مقبولة بالنسبة لك،بس صدقينى كل حاجة هتعدى،ومفيش حاجة هتأثر فيكى،لإنك الدكتورة سمر..اللى وصلت للى هم إتمنوه ومعرفوش يوصلوله. لم تدرك سمر ما يقصده هادى ،هل يقصد مكانتها الرفيعة بتلك المستشفى الخاص والمشهورة ؟أم يقصد نفسه بكلماته؟فكليهما حلم كل فتاة أو طبيبة قد تعرفهم..هي تمنت حقا الأولى ونأت بجانبها عن الثانية،لا تدرى حقا أيهما يقصد بكلماته..ولكن تظل كلماته تلك ولمسة يده المطمئنة من جعلاها ترفع رأسها وتمشى بقوة ،ترفع عيناها فى مواجهة عيون الجميع الذين رأوا أيديهم المتشابكة وتلك الدبل التى تزين أصابعهما،لتخرس الألسنة ....تماما. الفصل الرابع قالت سماح برجاء: -ياحسام إفهمنى،إخواتى وحشونى وإنت عارف ظروف مجد،مفيهاش حاجة يعنى لو سيبتنى أسافرلهم يوم واحد وهرجع علطول..والله ما هتأخر. هز حسام رأسه رافضا وهو يقول: -آسف مش هينفع..إخواتك مش أهم عندك من جوزك وإبنك اللى ميقدروش يستغنوا عنك اليوم الواحد ده. قالت سماح برجاء: -تقدروا تسافروا معايا. هز حسام رأسه رافضا مجددا وهو يقول: -برده مش هينفع. قالت سماح بنفاذ صبر: -كل حاجة مش هينفع ..مش هينفع،يعنى ده آخر كلام عندك؟ إقترب منها يمسك يدها بهدوء..حاولت إفلات يدها بعصبية فتمسك بها قائلا وهو ينظر إلى عينيها: -ياسماح إفهمينى ،أنا بحبك وبغير عليكى ،وانتى عارفة كدة من زمان،إخواتك.. ويومين كدة وييجوا القاهرة ،وساعتها ياستى هتشوفيهم. لم تلن ملامحها لكلماته كعادتها معه،بل ظلت مكفهرة الملامح..ليمد يده ويقرص وجنتها بخفة قائلا: -طيب ،فكيها حبة وورينى إبتسامتك الحلوة،أقولك حاجة..لو مجوش كمان يومين،هفضى نفسى وآخدك ونروحلهم..إيه رأيك بقى؟ إنفرجت أساريرها على الفور لتندفع إلى حضنه قائلة بسعادة: -ودى فيها رأي ؟ فرحانة طبعا..ربنا يخليك لية. ربت حسام على ظهرها وهو يطبع قبلة على قمة شعرها قائلا بحنان: -ويخليكى لية ياحبيبتى. ثم أخرجها من حضنه قائلا: -ممكن بقى مراتى الحلوة تعملنا كوبايتين شاي بإيديها الحلوين دول،وتيجى نقعد مع بعض شوية نتكلم كلمتين. لمعت عيناها وهي تقول بسعادة: -طبعا،هواااا.. لتسرع بإتجاه المطبخ وهي تشعر بأن حسام قد عاد إليها مجددا الرجل الحانى الذى تزوجته بعد أن شغلته الحياة عنها وأبعدته عن بيته وزوجته وطفله فى الآونة الأخيرة،بينما تابع حسام مغادرتها بعيون ظهر فيهما الذنب... واضحا. ******************** قالت ماجى بحنان: -خلاص ياجيسى حصل خير ياقلبى،زي ما قلتلك إنتى غلطى لما سكتى عن الغلط،وده خلى الغلط يمسك من غير ذنب،الرسول صل الله عليه وسلم قال..... رددت إبنتها قائلة: -عليه الصلاة والسلام. لتقول ماجى بإبتسامة: -من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه..فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان. قالت إبنتها بندم: -صدق رسول الله،معاك حق يامامى..أنا غلطت فعلا. قالت ماجى بحنان: -كان لازم لما تطلب منك نهلة تغششيها ،مش بس ترفضى، لأ ..وتنصحيها كمان ،ده غير إنك تطلبى نقلك لمكان تانى ..عموما ياقلبى متقلقيش،كل شئ ممكن يتصلح،و كويس إنك قلتيلى ..عشان أقدر أتصرف. إحتضنتها إبنتها بسعادة قائلة: -إنتى أحسن مامى فى الدنيا ياميجو. أغمضت ماجى عيناها وهي تضمها بدورها قائلة: -وإنتى أحسن بنوتة ياعمرى أنا. ثم فتحت عيناها قائلة وهي تخرجها من أحضانها قائلة: -يلا بقى روحى ذاكرى كويس عشان هيكون فيه تيست تانى بكرة بإذن الله،بدل التيست اللى رفضته مس سوزى،لما مسكت الكتاب اللى نهلة كانت بتغش منه ،وافتكرتك بتغشى معاها. ظهرت الفرحة على وجه الطفلة الجميلة وهي تقول بسعادة: -حاضر..هروح حالا. ثم إلتفتت الفتاة مغادرة لتتوقف لدى مشاهدة والدها يقف على عتبة الباب..لتندفع إليه وهي تحتضنه قائلة : -بابى إنت جيت إمتى؟ ضمها بذراعه قائلا : -حالا ياحبيبتى. خرجت من حضنه قائلة: -هتتعشى معانا؟ أومأ برأسه لتصيح مهللة وهي تقول : -تمام ،هروح أخلص مذاكرة بسرعة عشان نتعشى..سلام . وإندفعت مغادرة الحجرة لينظرا فى إثرها بحنان قبل أن يلتفت يوسف إلى ماجى قائلا بعتاب: -على فكرة ياماجى إنتى مدلعة ياسمين أوى،ومخلياها معتمدة عليكى فى كل حاجة ،وده هيسببلها مشاكل كتير أوى فى المستقبل. تقدمت منه ماجى حتى توقفت أمامه تماما قائلة بإبتسامة هادئة: -على فكرة بقى،إنت اللى بتكرر كلام مامتك يايوسف من غير ما تكون أصلا مقتنع بيه،إنت عارف ومتأكد إنى مش مدلعة جيسى..كل الموضوع إنى من يوم ما كبرت وأنا بعاملها زي صاحبتى ،مش مخلياها تخاف منى ،بالعكس،بتحكيلى كل صغيرة وكبيرة عن حياتها، وده بيخلينى أقدر أنصحها صح،مبتضطرش تلجأ لحد عشان ينصحها ،وياعالم هتكون النصيحة صح أو غلط،وإنت عارف برده من جواك إن أسلوبى فى تربيتها خلى عندها شخصية قوية ومستقلة..وخلاها البنت اللى بتفتخر بيها فى كل مكان. كان يوسف يدرك صحة كلماتها ولكنه عاند قلبه المقتنع بحديثها قائلا: -بس ياماجى.. وضعت إصبعها على فمه قائلة بعيون ظهر بهما عتابا : -بس مامتك كلمتك وقالتلك إنى مرتبطة بياسمين زيادة عن اللزوم وإنى بكدة بدلعها وبخليها محتاجالى فى كل كبيرة وصغيرة فى حياتها، وإن الحل الوحيد إنى أخلف طفل تانى يشغلنى شوية عنها ويقلل إرتباطى بيها واللى هي معتبراه إرتباط مرضى ..مش كدة؟ لم يستطع تحمل نظراتها المعاتبة وهو يشعر بالذنب، خاصة و أنها أدركت الحديث الذى دار بينها وبين والدتها حرفيا..ليبعد إصبعها عن فمه وهو يشيح بناظريه عنها يشعر بالخجل ،لتبتسم وهي تمد يدها تمسك بذقنه تعيد نظراته إليها قائلة بحنان: -أنا مش معترضة على إننا نجيب طفل تانى،يمكن كنت خايفة من الخطوة دى عشان كنت مقلقة زي ماإنت عارف..ده غير إنى خفت من إنها تشغلنى عن تربية ياسمين التربية اللى نفسى أربيهالها،لكن جيسى دلوقتى كبرت وتقدر تعتمد على نفسها وأنا مستعدة يايوسف،مستعدة نقوم بالخطوة دى لو بجد هتسعدك. لمعت عيونه بالسعادة وهو يقول: -بجد ياميجو؟بجد مستعدة نجيب طفل تانى ؟ اومأت برأسها بحنان وهي ترى سعادته الجلية على ملامحه ليحملها ويدور بها فى الأرجاء بسعادة،تلك السعادة التى من أجلها قد تفعل أي شئ على الإطلاق،حتى لو تحملت كلمات حماتها السامة ومعاملتها الغريبة لها منذ أن علمت بأنها السبب فى تأجيل الإنجاب،من أجل سعادته قد تنجب مرة وإثنان وثلاث،رغم خوفها المرضي من لحظة الولادة والتى توفت أثنائها والدتها حين أنجبتها،من أجل سعادته ستتغلب على خوفها..بالتأكيد. أنزلها ببطئ يتأمل ملامحها بوجه عاشق قبل أن يميل مقتربا من وجهها تلفحهها أنفاسه الساخنة وهو يقول: -طيب بما إن مولاتى تكرمت بالموافقة على المشروع الخطير ده، فإيه رأيك نبدأ التنفيذ حالا؟ إبتلعت ريقها فى صعوبة وهو يثير أحاسيسها بلمسات يديه على يديها العاريتين،صعودا وهبوطا ..لتقول بإضطراب شمل جميع حواسها: -طيب و العشا ..قصدى..لسة يعنى..هحضره. مال أمام شفتيها هامسا: -تحضريه إيه بس؟هنجيب أكل جاهز طبعا. كادت أن تتفوه بشئ ما ..لم تعد تذكره تماما وهو يأخذها فى جولة عشق ..سارعت من دقات قلبها وسحرتها ...كلية. ******************** كانت سماح تقف فى شرفة شقتها تتناول كوب الشاي فى حنق ،فقد جاءت مكالمة هاتفية لحسام وإضطر للنزول بسرعة من أجل شئ يخص العمل ،بعد أن كان وعدها بالمكوث معها والتحدث قليلا،فمنذ وقت طويل لم يجلسا سويا ويتحدثا فى أمور حياتهما كالماضى،تنهدت وهي ترفع وجهها تنظر إلى البعيد ..إلى وقت كانت فيه حقا سعيدة..ربما صاحبت علاقتهما العديد من الخلافات فى وجهات النظر والعديد من الإضطرابات والمشاكل، وفى بعض الأحيان قليل من الخصام ولكن فى النهاية كان لحياتهما نبض و لعلاقتهما روح،أما الآن فحياتهما باردة ..شاحبة كالموتى..لا نبض ولا روح..تتمنى فقط لو عادت حياتهما للسابق حتى لو تخللتها العديد من الصراعات . تنهدت مجددا وهي تنظر إلى الشارع ،لتعقد حاجبيها وهي تلاحظ هبوط أختها من سيارة غريبة ،ودلوفها المنزل مطأطأة الرأس بإنكسار،تركت الكوب من يدها وأسرعت إلى باب شقتها مغادرة إياها تتجه إلى شقة أختها بالطابق الأسفل ،لتدلف إليها بسرعة،تطالع أختها التى جلست على الأريكة باكية فى قلق نهش قلبها ..لتقول بجزع: -مالك ياسمر فيكى إيه؟ رفعت سمر يدها إلى سماح لترى سماح تلك الدبلة الماسية وأختها تقول بصوت حزين: -إتخطبت ياسماح. عقدت سماح حاجبيها وهي تنظر إلى عيون أختها الحزينة ..لتتسع عيناها بصدمة وأختها تقص عليها ماحدث لها منذ الأمس،وحتى تلك اللحظة التى تشعر فيها سمر بإنهيار جميع أحلامها.....كلية. ******************** جلست سمر أمام التلفاز تنظر إليه وهي تضم ركبتيها بيديها إلى صدرها تستند بذقنها عليهما ،ربما تبدو لمن ينظر إليها مستغرقة كلية فى مشاهدة هذا المسلسل التركي ..ولكنها كانت فى مكان آخر بأفكارها،تشرد فى ماض يؤرقها ويقض مضجعها..أغمضت عيناها عن تلك الصور التى تتراءى لها..تشعر بالألم..تود لو محتها من ذاكرتها،ولم لا؟ وهي تسبب لها الألم الشديد،لقد وافقت على إقتراح الطبيب هادى بالابتعاد عن القاهرة والحضور إلى الإسكندرية خصيصا لتتجاهل تلك الصور التى تلوح فى عقلها بإستمرار منذ أن بدأت جلساتها معه،لم تخبره عنها شيئا،فهي تخيفها بقوة،تجعلها راغبة فى أن تظل فى غياهب عقلها ..لا تريد أبدا أن توقظها من سباتها القهري،كفاها ما تشعر به من ألم ووحدة ليضم قلبها شعور جديد لا ترغبه أبدا،خوفا يهدد كيانها المريض..وياله من شعور. إنتفضت على لمسة ليديها لتفتح عينيها بقوة وتجدها هاجر التى إقتربت منها دون أن تشعر وجلست بجوارها..تنظر إليها بحنان قائلة: -متحاوليش تفكرى فى اللى فات،فكرى بس فى اللى جاي وهو هيحللك كل مشاكل الماضى،إنتى مش لوحدك..أنا معاكى وهادى معاكى ،وواحدة واحدة هتعدى من أزمتك ..صدقينى ياسمسم. غشيت عيون سمر الدموع لتحتضن هاجر بقوة تترك لدموعها العنان قائلة بهمس: -مش عارفة من غيركم كنت هعمل إيه ياهاجر،ربنا بعتكم لية عشان تقفوا جنبى فى وقت ملقتش فيه حد يقف جنبى..إنتوا هدية من ربنا لية. قالت هاجر بعيون غشيتها الدموع بدورها: -وإنتى هديتنا..الأخت اللى ربنا رزقنا بيها. لتخرجها من حضنها قائلة بإبتسامة حانية وهي تمسح دموع سمر من على وجنتيها بيديها: -بس إحنا قلنا نبطل نبكى،عشان أنا شكلى بيبقى وحش أوى لما بعيط.. رغما عنها وجدت سمر نفسها تبتسم قائلة: -إنتى قمر حتى لما بتبكى ياجوجو. إتسعت إبتسامة هاجر وهي تقرصها فى وجنتها قائلة: -أهو إنتى اللى قمر بعيونك الملونة دى،بقولك إيه ..ما تيجى نعملنا كوبايتين كابتشينو ونقعد فى البلكونة،ده حتى وقت الغروب وأكيد المنظر يجنن من هناك. أومأت سمر برأسها موافقة،فنهضا سويا يتجهان للمطبخ ..حين تناهى إلى مسامعهما صوت جرس الباب ..لتسرع سمر بأخذ حجابها ولفه حول رأسها بينما إتجهت هاجر إلى الباب لتفتحه،فلم تجد أحدا،عقدت حاجبيها وكادت أن تغلق الباب حين رأت ورقة بيضاء مطوية على الأرض ،إنحنت لتأخذها ثم إعتدلت مغلقة الباب خلفها ، ومتجهة إلى سمر التى تجمدت تماما وهي ترى تلك الورقة المطوية فى يدها..تخشى فى وجل أن تقبع كلمات جديدة من هذا المعجب المجهول بتلك الرسالة ،ذلك المعجب الذى طاردها برسائله اليومية بالمستشفى،ويبدوا أنه تتبعها حتى الأسكندرية وعرف مكانها ولن يرحمها من تلك الرسائل ...على مايبدو. ******************** قالت سماح بهدوء: -ممكن بس تهدى وتبطلى بكا..وكل حاجة هتتصلح. مسحت سمر وجهها بكمها فبدت كالأطفال تماما..وهي تقول بصوت تهدج حزنا: -حتى لو هديت وبطلت بكا،مفييش حاجة هتتغير..أنا سمعتى إتمست ياسماح ،ودى حاجة لا يمكن تتصلح. ربتت سماح على يد سمر قائلة: -اللى حصل حصل ..انتى صحيح غلطتى لما خرجتى فى وقت متأخر مع رجل مهما كان غريب عنك،حتى لو قدرتى اللى عمله مع أخوكى،واعتبرتي ان مساعدتك ليه رد لجزء من جميله علينا،لكن ده ميمنعش من إن خروجك معاه من الأساس سمح لناس نفوسها مش كويسة إنها تجيب سيرتك بالباطل،لكن تصرف دكتور هادى أنقذ الموقف،وزي ما قال ..ده حل مؤقت،شوية وكل واحد هيروح لحاله..ونخلص من الموضوع ده كله. قالت سمر بحزن: -لكن.... قاطعتها سماح قائلة بحزم: -من غير لكن..قلتلك اللى حصل حصل،وكويس إنها جت على أد كدة،وإن دكتور هادى إنسان محترم مستغلش اللى حصل بطريقة مش كويسة..بالعكس عرض عليكى إرتباط أدام الكل ولبسك دبلة والدته اللى أكيد ليها معزة كبيرة فى قلبه،وده كله أكيد لأنه بيحترمك ويقدرك..وأكيد مرضاش يكون السبب فى أذيتك. نظرت سمر إلى بنصرها الأيمن بتفكير وهي تلمسه بيدها اليسرى،بينما لمعت عيون سماح وهي تشعر بأن ما حدث رغم حزنه قد صب فى صالح أختها التى ماكانت لتوافق أبدا على خطبتها من الطبيب هادى لولا ماحدث،بل ما كانت لتوافق على خطبتها لأي رجل من الأساس،فقد كرهت الرجال وفقدت الثقة بهم تماما بسبب والدهم سامحه الله..توقن أن لله تدابيره فى كل شئ ،وربما ما نظنه شرا لنا قد يكون خيرا إن رأينا فيه حكمة الله. ******************** فتحت سمر تلك الورقة بيد مرتجفة لتمر عيونها على سطورها التى تقول... (حبيبتى...نعم حبيبتى..أعترف بها أمامك..وأمام نفسى..بل أرغب أن أصرخ بها عاليا ..أعترف بها أمام جميع البشر من حولنا..تحدونى تلك الرغبة مرارا وتكرارا وما يمنعنى عن تحقيقها هو أنت..نعم أنت..أريد أن أقر بها أمامك قبل الجميع ..أن أركع طالبا يدك فتمنحينى إياها بعشق يظهر فى تلك العيون الدخانية التى سحرتنى منذ أول مرة إلتقت فيها بعيني..ليتساقط شعرك الطويل الناعم وتتسلل إلي رائحة الياسمين تغمرنى بنشوة العشق ..هذا الشعر البني الناعم ذو الخصلات الذهبية والذى أمد يدى لتتخلل ثناياه..أقربك إلي أكثر لأنهل من شهد شفتيك اللتان إشتقت إليهما كإشتياق مسافر فى الصحراء لشربة ماء تحييه .. عشقتك ،نعم أعترف أمام نفسى أننى لطالما عشقتك..ويوما ما بدورك ستقرين بعشقى..فإنتظرينى..فنحن على موعد مع العشق..موعد مع الحياة ..فإلى لقاء قريب... ز ا م) سقطت منها الورقة وهي تجلس مكانها بنظرات زائغة لتقترب منها هاجر على الفور تنحنى لتمسك الورقة تقرأ محتوياتها بسرعة قبل أن تجلس بجوارها قائلة فى قلق: -سمر،إنتى كويسة..أتصل بهادى؟ قالت سمر بهذيان: -الحكاية مبقتش معجب مجهول ياهاجر،الموضوع بقى أكبر من كدة،ده حد عارفنى كويس،وعارف عنى حاجات شخصية،عارف ان شعرى لونه بني وطويل وإنى بستعمل شامبو بريحة الياسمين..وبيقول إنه باسنى ،إنتى فاهمة الكلام ده معناه إيه؟ قالت هاجر بشفقة: -إهدى بس يا سمر،وخلينا نفهم بالراحة. نهضت سمر قائلة بمرارة : -نفهم إيه بس ياهاجر؟الكلام اللى قريته فى الورقة ده يخوف،أنا خايفة صدقينى..خايفة أوى،مبقتش مرتاحة للى بيحصل الظاهر إننا لما جينا إسكندرية كانت غلطة،غلطة كبيرة أوى.. ولازم تتصلح حالا. قالت هاجر فى قلق: -قصدك إيه ياسمر؟ قالت سمر بحزم: -قصدى إنى لازم أرجع القاهرة عشان أحس من تانى بالأمان ياهاجر..وحالا. لتتسع عينا هاجر..... فى صدمة رواية ضلع مكسور سينجبر. بقلم شاهندة. الفصل الخامس قالت هاجر : -تفتكرى لو رجعتى القاهرة هترتاحى ياسمر؟معتقدش،إنتى ناسية حالتك النفسية كانت عاملة إزاي هناك؟ زاغت عيون سمر،لتزفر هاجر مستطردة: -بصى..أنا مش معاكى فى قرار رجوعنا القاهرة بالسرعة دى ،خلينا هنا شوية ونشوف ،لو مرتاحتيش هنرجع،بس مش هنستسلم بسهولة كدة،وبعدين إيه اللى مخوفك بالشكل ده..كل الموضوع شوية رسايل من معجب مجهول؟ زفرت سمر بقوة قائلة: -ده مش أي معجب،ده حد عارفنى كويس وعارف لون شعرى كمان. قالت هاجر : -مش شرط يكون بيعرفك ،لون شعرك ممكن يكون شافه وإنتى داخلة المستشفى أو خارجة من العمليات وخصوصا ان الرسايل ابتدت تجيلك بعد دخولك المستشفى،وممكن يكون عرف لون شعرك من لون حواجبك مثلا أو رموشك،يعنى جايز يكون تخمين كويس وبس ..الإحتمالات كتيرة على فكرة،وإفرضى ياستى إنه يعرفك،تفتكرى لو رجعتى القاهرة هيحل عنك ويسيبك فى حالك،مفتكرش..هيفضل وراكى من مكان لمكان. جلست سمر تقول بقلة حيلة : -طب وإيه العمل دلوقتى؟ لمعت عيون هاجر وهي تقول: -إيه رأيك نستشير أستاذ مجد،اللى عرفته من أخويا إنه محامى وممكن فى الموضوع ده يفيدنا..ويقولنا نقدر نعمل إيه؟ ظهر التردد على وجه سمر وهي تقول : -مفيش حل تانى؟ عقدت هاجر حاجبيها قائلة: -وماله الحل ده بس؟ هزت سمر كتفيها قائلة: -مش عارفة،مش حابة نحكى لحد غريب حكايتى،وخصوصا اللى إسمه مجد ده. إزداد إنعقاد حاجبي هاجر قائلة: -غريبة..ماله الأستاذ مجد؟ ده حتى إنسان محترم ومشفناش منه حاجة وحشة. فكرت سمر.... نعم هو يبدوا إنسانا ملتزما ..وقورا ..وذو أخلاق ،ولكن نظراته إليها تربكها،تشعرها بمشاعر غريبة ،بل متناقضة للغاية،أفاقت من أفكارها على صوت هاجر التى قالت بقلق: -سمر..ماله الأستاذ مجد؟قلقانة منه ليه؟ قالت سمر بإضطراب: -مش قلقانة ياهاجر..أنا بس مش مرتاحة..يعنى هو....أنا.... لتتنهد مستطردة بيأس: -بصى..اللى تشوفيه صح ياهاجر إعمليه. ظهر الإرتياح على ملامح هاجر ..قبل أن تبتسم قائلة: -تمام..هكلمه حالا. ثم أمسكت هاتفها تتصل بالرقم الخاص بأمجد وعيون سمر تتابعها ......بقلق. ******************** طرق مجد باب الشقة ثم تنحى جانبا،لتفتح له هاجر على الفور..قال بهدوء: -خير ياآنسة هاجر..فيه حاجة؟ قالت هاجر بسرعة: -إتفضل أدخل ياأستاذ مجد. عقد مجد حاجبيه يتساءل عن سر توتر صوت هاجر ليدلف إلى الشقة وتقع عيناه على سمر التى مدت يدها بحركتها المعتادة تتأكد من أن حجابها يحجب شعرها بالكامل عنه،فلا تتسلل منه خصلاتها،كاد أن يبتسم على فعلتها تلك..ولكن ملامحها المتوترة حجبت تلك الإبتسامة وهو ينقل بصره بينها وبين هاجر قائلا بتوتر إنتقل إليه على الفور: -خير ياجماعة..فيه إيه؟ أطرقت سمر برأسها أرضا بينما قالت هاجر: -الحقيقة ياأستاذ مجد..إنت عارف إن إحنا جينا إسكندرية عشان جامعتى ودراستى، وعشان سمر تبعد عن جو القاهرة وتلاقى مكان هادى تريح فيه أعصابها. أومأ مجد برأسه وهو يلقى نظرة على سمر التى رفعت عيونها إليه فى تلك اللحظة وإلتقت بعينيه،ليتوقف الزمن. شعرت سمر بأنها أسيرة تلك العينان الخضراوتان،اللتان رقت نظراتهما الآن لتسحبان أنفاسها كلية،حاولت الإشاحة بناظريها عنهما فلم تستطع..تجذبها إليه قوة أكبر منها ومن خوفها الفطري من الجنس الآخر،فكان هو أول من قطع تواصلهما البصري هذا رغما عنه وهو يلتفت لهاجر التى قالت : -كان فيه رسايل بتوصل لسمر فى المستشفى لما كانت بتتعالج،رسايل فيها يعنى..كلام عن مشاعر وأحاسيس ليها من واحد مجهول ،ودايما كان بيمضى بالحروف( ز ا م)..الحقيقة ده كان من أكتر الحاجات اللى ضايقت سمر وخليتها ترضى تسافر معايا،كنا فاكرين إن كدة خلاص،المعجب المجهول هينساها ويبطل يبعت رسايل وهنخلص من الموضوع ده..لكن للأسف مبطلش. لترفع يدها بورقة مطوية تقول بهدوء: -لسة باعت رسالة حالا..والرسالة دى قلقت سمر أوى وكانت هتخليها ترجع القاهرة لإن فيها معلومات شخصية جدا عنها. عقد مجد حاجبيه وهو يقول : -ممكن أشوف الرسالة دى؟ قالت سمر بسرعة: -لأ مش ممكن. نظر إليها يدرك أنها لأول مرة تخرج عن صمتها منذ دلوفه الشقة،بل لأول مرة على الإطلاق تتوجه إليه بكلماتها..لتستطرد هي قائلة بتلعثم: -قالتلك يعنى..إن فيها حاجات شخصية عنى،يعنى مش هينفع تقراها. تفهم مجد الأمر ولكنه قال: -طب إزاي هفهم الموضوع لو مقريتش الرسالة؟ قالت سمر بعصبية: -مش مهم تفهم ..أقولك ..خليك برة الموضوع ده أحسن لو سمحت. عقد مجد حاجبيه بينما قالت هاجر برجاء: -إهدى بس ياسمر،أستاذ مجد مغلطش فى حاجة..هو... قاطعها مجد قائلا بهدوء: -لأ ،هي معاها حق..الظاهر إنه موضوع شخصى وأنا فعلا مينفعش أتدخل. ثم نظر إلى سمر قائلا: -أنا آسف يا آنسة سمر..أنا كان كل قصدى إنى أفهم الموضوع كويس عشان أقدر أعرف هنتصرف إزاي. قالت بحنق موجه لنفسها لتسرعها بالرد عليه بحدة ..وما قصد حقا سوى مساعدتها: -مدام. عقد حاجبيه قائلا: -أفندم؟ نظرت مباشرة إلى عينيه قائلة: -أنا مدام مش آنسة. ليدق قلبه .........بقوة. ******************* بعض مرور بعض الوقت... قال مجد بهدوء: -أنا كدة فهمت الموضوع..والسؤال هنا هو عن إحساسك يامدام سمر عن الشخص ده،تفتكرى ده حد يعرفك؟ قالت سمر بتوتر: -مش عارفة ..بيتهيألى أيوة. نظر مجد إليها مباشرة وهو يقول: -مش بيتهيألك..المعجب المجهول ده أكيد يعرفك والدليل على كدة إنك قلتى إنه ذكر لون شعرك فى رسالته الأخيرة،وإنه بيمضى بالحروف التلاتة كل مرة ،وده مالوش غير معنى واحد ..إنه يعرفك وإن الرموز دى مميزة بينكم..ممكن تبقى حروف إسمه أو امضته اللى إنتى عارفاه بيها،بس أكيد مش فاكراها دلوقتى..لكن لو دورتى جوة ذاكرتك كويس،أكيد هتفتكريها..وهتفتكرى مدلولها والشخص اللى وراها كمان. أغروقت عيناها بالدموع قائلة: -تفتكر محاولتش؟!تفتكر مفكرتش ألف مرة فى الرسايل وصاحبها؟ وإيه ممكن يكون معنى التلات حروف دول..فكرت ،وللأسف موصلتش لحاجة أبدا غير شعور بالخوف بيوقف قلبى كل ما بشوف رسالة منه بتوصلى. أحس مجد بضلوعه تنتفض لوعة عليها بسبب هذا الألم الذى ظهر بوجهها وبصوتها وإرتعاشة يديها ليقول على الفور: -طب إهدى يامدام سمر..إهدى وكل شئ ليه حل. مدت يدها برقة تمسح دموعها التى سالت على خدودها رغما عنها.. قائلة بمرارة: -وإيه بس الحل؟ قال مجد بحزم: -هنحط كاميرا قصاد الشقة..وساعتها لو حد وصل رسالة تانية ،أكيد هنعرفه ونوصله. قالت هاجر بسعادة: -فكرة هايلة ياأستاذ مجد..إزاي بس مخطرتش على بالى. إكتفى مجد بإبتسامة باهتة..لينهض قائلا: -أنا هتصل بعادل،ده واحد صاحبى..هييجى ويركب الكاميرا علطول.. لينظر إلى سمر قائلا بثبات: -أنا مش عايزك تخافى أبدا،ولا تقلقى..قريب اوى هنعرف مين اللى بيبعت الرسايل دى يامدام سمر،قريب أوى هترتاحى. نظرت إليه بعيون ظهر بهما شعور لأول مرة يتسلل إليه..إمتنانا إستقر بعينيها،وإمتزج بسحر خلب لبه ولمس قلبه على الفور لتعود إليه على الفور ذكرى نظرات مشابهة رمقته بها زوزا،زوجته الحبيبة حين أنقذها من هؤلاء الذين كانوا يضايقونها وهي فى طريق العودة إلى المنزل من عملها،نعم..رمقته بتلك النظرة تماما والتى سارعت من دقات قلبه ليدرك وقتها أنه عاشق لأول مرة،وها هي سمر ترمقه بنفس النظرة ،ليدق قلبه بقوة،معلنا..إنك تقع فى الحب.....مجددا. ******************** كانت تجلس فى حجرتها على سريرها،تدير محبسها حول بنصرها..تفكر فى كلمات أختها عن هادى وما فعله من أجلها،تتساءل حقا عن السبب ..هل يشعر بالذنب لأنه هو السبب فيما حدث؟أم هل حقا يهتم لأمرها ويخشى عليها من أن تتأذى؟على الأرجح الإحتمال الأخير هو الأصح. فهو يبدو مهتما بها بالفعل،وقد لاحظت إهتمامه منذ فترة ولكنها تجاهلت الأمر كلية،كما كانت تفعل طوال عمرها..يكفيها ما رأته من والدها لتثق كلية فى أن الرجال كاذبون..مخادعون..لا أمان لهم..ربما هناك البعض منهم صادقون...لا...لا...ليس هناك من هو صادق منهم،فقط أخاها مجد هو من يختلف عن باقى الرجال،أما الجميع فهم على شاكلة أبيها. خلعت محبسها من يدها بغضب وكادت أن تلقيه أرضا ولكنها تذكرت أهميته لدى هادى،فهو ذكرى من والدته لتوقفها تلك الفكرة فقط..مدت يدها إلى الكومود بجوارها تفتح درجه العلوي وتضعه بداخله ،ليرن الهاتف الخاص بها ..تناولته وهي تنظر إلى شاشته، لتعقد حاجبيها حين رأت رقم غريب..ردت عليه قائلة بحذر: -ألو. جاءها صوت رجل ليس بغريب عليها..رجل أضحى اليوم فقط خطيبها،وهو يقول بإضطراب بدا واضحا فى صوته: -سمر. إعتدلت عاقدة حاجبيها قائلة فى حيرة: -هادى.. أسعده أنها تعرفت عليه على الفور وأطربت أذنيه نبراتها وهي تنطق بحروف إسمه..ولكن بهتت سعادته مع إستطرادها بلهجة باردة: -خير يادكتور هادى ..فيه حاجة؟ ممكن أعرف بتكلمنى فى الوقت ده ليه؟وجبت رقمى منين؟ إرتبكت نبراته وهو يقول: -أنا جبت رقمك من مجد.. كلمته وحكيتله اللى حصل ،كان لازم يكون موافق على التصرف اللى قمت بيه،حتى لو كانت مكالمتى ليه متأخرة شوية. أغمضت سمر عيناها وهي تضرب على رأسها بخفة..كيف غاب عن بالها أخاها مجد وإخباره بما حدث،وهي تدرك أنه يحادث دكتور هادى يوميا ..لم تستطع إنكار إعجابها بتصرف الطبيب هادى ومصارحة أخاها بكل شئ بل والحصول على مباركته أيضا ،ولكن ..هل وافق أخاها بالفعل على تصرف هادى؟أم ثار جنونه..ليجيب هادى تساؤلاتها قائلا: -والحقيقة هو قدر الموقف..وكلمك عشان يطمن عليكى بس إنتى مردتيش. أدركت سمر أنه ربما حادثها وهي تجلس مع سماح بالردهة فلم تسمع رنين هاتفها الذى تركته داخل حقيبتها والتى ألقت بها بعيدا عند دلوفها إلى الشقة،وبحثت عنها بعد صعود سماح إلى شقتها..أفاقت من أفكارها على صوت هادى القلق وهو يقول: -سمر..إنتى معايا؟ قالت سمر بهدوء: -معاك يادكتور. ذكرته مجددا بأنه هادى الطبيب وليس هذا الرجل الذى يضع محبسه فى يدها..وكأنها توضح له بالضبط مكانته لديها..لذا..فقد تنحنح قائلا: -إحمم..أنا آسف فعلا إنى كلمتك فى وقت متأخر زي ده،بس معرفتش أنام قبل ما أطمن عليكى. ليصمت للحظة قبل أن يستطرد قائلا بنبرة حانية: -إنتى كويسة دلوقتى..يعنى قدرتى تتقبلى الوضع؟ عقدت سمر حاجبيها..لقد هاتفها ليطمأن على حالها..يدرك صعوبة الوضع عليها..ترى هل سبر أغوارها بتلك السهولة؟هل صار يشعر بها؟دق قلبها بقوة وشعرت به يلين..لتنفض مشاعرها جانبا وهي تقول بحدة رافضة هذا الضعف الذى تسلل إلى كيانها: -إنت شايف إن ده وضع ممكن أتقبله؟شايف إن الناس لما تجيب سيرتى بالباطل حاجة ممكن تعدى علية بسهولة كدة؟أو إنى أكون فى وضع غصب عنى ومش بإرادتى، أضطر فيه أكون مخطوبة ليك أدام الناس وده مش حقيقى حاجة عادية ممكن أرضى بيها ؟للأسف يادكتور ..لأ..لا أنا كويسة ولا قادرة أتقبل الوضع. رغم كلامها الجارح إلا أنه أدرك المرارة بداخل صوتها ..يرجع ثورتها إلى إضطرارها للقبول بإقتران إسمها برجل ،أي رجل..وليس بشخصه هو..فمن خلال محادثته اليوم مع مجد..أدرك ماضيها الذى جعله يدرك سر تصرفاتها شبه العدوانية تجاه الرجال بصفة عامة..فقد نشأت تظن أن كل الرجال يماثلون أباها غدرا ويشبهونه طبعا وعليه فقط أن يثبت لها عكس ذلك ولكن برفق..بهدوء....و بحب. ليقول بثبات: -أنا طبعا عارف إن الوضع صعب بالنسبة لك ومقدر حساسيته،بس غصب عننا لازم نتقبله عشان نقدر نعدى اليومين الجايين دول من غير ما حد يشك فينا..بالعكس لازم نظهر كاتنين بجد مقبلين على الجواز.. ليأخذ نفسا عميقا قبل أن يقول مستطردا: -سمر..أنا مش ضدك..ولا فى جبهة معادية ليكى،بالعكس أنا فى صفك ومعاكى..وصدقينى عمرى ما هسمح بحاجة تانى تمسك أو تإذيكى. أغمضت عيناها يدرك قلبها الصدق فى صوته وكلماته ولكن عقلها يأبى تصديقه..يتمسك بكل قوة بحواجزه ودفاعاته..لتفتح عينيها على صوته الذى ردد بهمس: -سمر. قالت بصوت ظهرت به حيرتها..تحاول أن تسيطر على حواسها التى إنتفضت لدى سماعه نبراته الهامسة بإسمها: -معاك يادكتور. ظهرت إبتسامة فى صوته رغما عنه وهو يقول: -هاجى آخدك بكرة من البيت. عقدت حاجبيها قائلة بسرعة: -لأ..أنا.... قاطعها قائلا بحزم: -قلتلك لازم نبان أدام الكل زي إتنين طبيعيين هيتجوزوا..حاولى تتقبلى ده ياسمر،من فضلك. صمتت ،ليستطرد قائلا: -إتفقنا؟ قالت موافقة رغما عنها: -إتفقنا. إبتسم قائلا: -تمام..هسيبك دلوقتى ترتاحى..تصبحى على خير. رغما عنها وجدت نفسها تقول برقة: -تلاقى الخير. لتتسع عيناها بصدمة تنظر إلى الهاتف قبل أن تغلقه بقوة وتضرب به رأسها بخفة قائلة: -غبية ..غبية..غبية. ثم لم تلبث أن تركت الهاتف من يدها تأخذ نفسا عميقا..وهي تشعر أن تحيتها بدت عادية ولم يظهر بها ضعفها الذى شعرت به فى كل كيانها،تنهدت ثم نظرت إلى الكومود لتفتح درجه العلوي ..تأخذ منه محبسها ..رفعته أمام عينيها تتأمله..لتنظر إلى تلك الكلمات الإنجليزية بداخله..تراها لأول مرة..تقرأها بهدوء وتترجمها (..Together For Ever H)..(معا إلى الأبد .. ه). يالها من ثلاث كلمات دق لهم قلبها بقوة ..تتأمل حرف الهاء ..وهي تتساءل فى حيرة..هل هذا إختصارا لإسمه..ترى هل يقصدها بتلك الكلمات؟لتضرب رأسها بخفة قائلة فى نفسها،أن المحبس يخص والدته وأن حرف الهاء لابد وأنه يرمز لإسم أباه..هشام،تبا..إن أفكارها اليوم مرتبكة..وغريبة عليها..وربما ستودى بها إلى الجنون..لذا فقد أعادت المحبس إلى الدرج..وأغلقته..ثم إضجعت على جانبها الأيمن..تغمض عيناها بقوة وتحاول بكل كيانها أن تستسلم للنوم..نوم تعلم أنه لن يراود أجفانها تلك الليلة...نهائيا. ******************** دلف حسام بخطوات حذرة إلى حجرة نومه، لتعتدل سماح فى سريرها تنير الأباجورة المجاورة لسريرها ..قائلة بهدوء: -حمد الله على السلامة ياحسام. قال حسام بإرتباك: -الله يسلمك ياحبيبتى..إنتى لسة صاحية لغاية دلوقتى ليه؟ نظرت سماح إلى الساعة التى تشير إلى الثانية عشرة..ثم نظرت إليه قائلة: -مستنياك ياحسام. حاول أن يرسم على شفتيه إبتسامة وهو يقترب منها ويجلس بجوارها يقرص وجنتها برقة قائلا: -وأميرتى الحلوة مستنيانى ليه؟ نظرت إلى إبتسامته ولمسته وكلامه المعسول لتدرك بصدمة أنها لم تعد تتأثر بهم..فمازالت غاضبة منه ومازال يثير حنقها..لتنهض وهي تقول بعصبية: -حسام ..مبقاش ينفع كدة،أنا بجد زهقت..إنت علطول مشغول ،مشغول فى الشغل..مشغول حتى فى البيت،مبنخرجش مع بعض ولا بقينا حتى بنتكلم مع بعض،و لو صدف وقعدت فى البيت .. يابتقعد أدام الماتش ياماسك التليفون..وجودك فى حياة إبنك تقريبا بقى معدوم،إذا كان وجودك فى حياتى نفسها بقى معدوم.. لتلوح بيدها مستطردة: -أنا إتخنقت..بجد إتخنقت..عايزة حسام بتاع زمان..حسام اللى كانت سماح بالنسبة له أول إهتماماته،نفسى أعرف إيه بس اللى غيرك ..إيه اللى آخدك منى؟ نهض حسام بدوره مقتربا منها وهو يقف أمامها تماما يمسكها من كتفيها بيديه قائلا: -ياحبيبتى..أنا زي ما أنا متغيرتش،لسة بحبك ولسة أهم حد عندى هو إنتى..أنا لو بعدت شوية فده عشان بس الشغل لسة جديد وآخد كل وقتى. لم تقتنع بكلماته وهي تنظر إليه بعتاب..ليقول بإصرار: -صدقينى أنا زي ما أنا..هي بس أمور الشغل وإلتزاماته اللى أخدونى حبة منك لكن أنا أهو،قريب منك..ومعاكى ياموحتى. أحست بقلبها يلين لكلماته مجددا..خاصة ويداه تتسللان إلى خصرها يضمها إليه ويقربها منه أكثر ..يقول أمام شفتيها: -وحشتينى ياحبيبتى..بجد وحشتينى أوى. قالت بصوت تهدجت نبراته تأثرا من قربه..ولكن ظلت نبراتها تمتزج بالعتاب: -لو وحشتك بجد مك..... إبتلع كلماتها بين شفتيه يجتاح شفتيها بقبلاته..لتصمت تماما وهي تستسلم لمشاعرها التى إشتاقت لقربه طويلا حتى كادت أن تيأس كلية ،ظنا منها أنه ما عاد مهتما بها كأنثى..وأنه ربما قد مل منها،ولكنه يثبت لها الآن وبكل مشاعره أنها مازالت.... أنثاه. الفصل السادس قالت هاجر بحدة موجهة حديثها لأمين مكتبة الجامعة: -يعنى إيه حضرتك الكتاب محجوز؟المفروض إن إحنا فى مكتبة الجامعة ،يعنى اللى يحب يستعير كتاب بيستعيره علطول..مش أفضل أسأل عليه لمدة ٣ أيام تقولى الكتاب محجوز،لما البنى آدم اللى حجزه نفسه يقراه أوى كدة ،مخدوش ليه لحد دلوقتى؟ولا أنا عشان أقراه هضطر أستنى حضرته لما يتكرم علينا وياخده وبعدين يرجعه،والله أعلم ده هيكون السنة دى ولا ..... قاطعها صوت ساخر يقول: -والله أنا موجود، وتقدرى تسألينى بنفسك. إلتفتت إليه بحدة تطالعه بثبات..فتأمل ملامحها الجميلة بوقاحة ظهرت على ملامحه،لتقول بحنق: -وحضرتك تبقى... وتركت جملتها معلقة..لتزداد إبتسامته سخرية وهو يقول : -أنا البنى آدم اللى كنتى بتتريأى عليه من شوية. إبتسمت ببرود قائلة : -تشرفنا. أومأ برأسه وقد إرتفع جانب شفتاه بسخرية لتختفى إبتسامتها الباردة تماما وهي تقول بحنق: -سعادتك بقى هتتكرم علينا وتاخد الكتاب ولا لأ؟ إقترب بهدوء منها حتى وقف أمامها تماما،مال عليها فجأة فتراجعت تلقائيا ترتطم بالطاولة خلفها..فإتسعت إبتسامته الساخرة وهو يمد يده يأخذ الكتاب من على الطاولة خلفها معتدلا..ثم ناظرا لأمين المكتبة غامزا وهو يقول: -الكتاب ده عندى ياإتش،وغالبا هجدد إستعارته. لينظر إلى هاجر مستطردا بسخرية: -أصلى بطيئ أوى فى القراية. عقدت حاجبيها فى غضب بينما إلتفت هو مغادرا لتقول هامسة بحنق: -إنسان بارد ومستفز. توقف وقد تسللت إلى مسامعه كلماتها..ليلتفت رامقا إياه بسخرية..قائلا ببرود: -وقليل الذوق كمان..سلام . ثم إلتفت مغادرا بهدوء،تتابعه عيناها بحنق غمر كيانها بالكامل ،تشعر لأول مرة بأنها تمقت إنسانا ..والأدهى أنه إنسان لا تعرفه،ولا تود أن تتعرف إليه....أبدا. ******************** قال عادل بإبتسامة: -كدة الكاميرا أدام الباب بالظبط وبطريقة متبانش خالص،ولو قطة حتى عدت من أدامها هترصدها،وأنا فهمتك إزاي تفرغ الشرايط وإزاي تبدلها..كدة تمام ياكبير؟ إبتسم مجد قائلا: -تمام ياعادل..تسلم. إتسعت إبتسامة عادل وهو يقول: -طيب هستأذن بقى عشان سايب المحل فى عهدة صفوت ،وإنت عارف صفوت. أومأ مجد برأسه وهو يقول بإبتسامة: -سلملى عليه. قال عادل بغمزة : -يوصل..بالإذن. ثم غادر لينظر مجد إلى الباب المغلق للحظات قبل أن يتنهد ثم يطرق الباب بهدوء..ليفتح الباب على الفور وتطل هي بوجهها الملائكي تنظر إليه بتساؤل،ليقول لها بحنق: -مش قلتلك قبل كدة متفتحيش الباب لحد قبل ما تسألى هو مين..وتبصى من العين السحرية كمان؟ إتسعت عيناها بإستنكار من كلماته،لينظر بدوره إليها فى صدمة،يدرك أنها ليست زوجته زوزا..بل هي فقط سمر جارته..وربما أخافها الآن بكلماته الغريبة تلك،ليطرق برأسه على الفور قائلا بأسف: -إحمم..أنا متأسف جدا يامدام سمر،الحقيقة غصب عنى قلتلك الكلام ده،بس إنتى دلوقتى فى مكانة .... ليصمت للحظة قبل أن يرفع رأسه ينظر إلى عينيها قائلا بحنان امتزج بحزن: -أخواتى البنات..والحقيقة أنا دايما كنت بنبه على إخواتى ميفتحوش الباب لحد من غير ما يتأكدوا من هويته،وخصوصا يعنى أختى الصغيرة ..واللى فكرتينى بيها حالا. لانت ملامحها وهي تدرك سبب ثورته عليها..لتبتسم بهدوء قائلة: -ربنا يخليلك إخواتك،عموما حصل خير..كنت عايز حاجة؟ قال بإرتباك: -إحمم..أنا كنت..يعنى..بطمنك إن الكاميرا إتركبت،ومبقاش حد يقدر يضايقك تانى. إتسعت إبتسامتها وهي تقول بإمتنان: -الحقيقة ،أنا مش عارفة أشكرك إزاي. تطلع إلى عينيها الدخانيتين للحظات ،شعر فيهم بالغرق حرفيا..فقد مرت فى تلك اللحظات ذكريات شبيهة بما يمر به الآن وإن إختلفت الظروف بالطبع،لكنه نفض أفكاره وهو يقول بإبتسامة هادئة: -لا شكر على واجب..لو إحتجتى أي حاجة تانية،كلمينى وهتلاقينى جنبك،قصدى يعنى فى خدمتك..وزي ما قلتلك إنتى والآنسة هاجر زي إخواتى بالظبط،وتقدروا تعتبرونى أخ ليكم زي الدكتور هادى تمام. إكتفت بإبتسامة هادئة وإيماءة بسيطة من رأسها ،ليقول بإرتباك: -إحمم..هستأذن أنا..سلام عليكم. رددت بهدوء: -وعليكم السلام. نظر إليها نظرة طويلة أربكتها قبل أن يلتفت مغادرا وصاعدا إلى شقته بالدور العلوي،بينما أغلقت سمر الباب وإستندت إليه بظهرها،ترفع يدها تضعها على خافقها..تتساءل بحيرة عن سر دقات قلبها المتسارعة والتى تتسارع فقط فى حضوره خاصة عندما يطالعها بنظراته الحانية تلك، والتى تثير الإضطراب فى كيانها بالكامل..لتعقد حاجبيها بشدة وهي تجد نفسها لأول مرة ترغب فى معرفة المزيد عن هذا الرجل. ******************** ترجلت سمر من سيارة هادى يتبعها هو بإحباط ،فقد ظلت صامتة طوال الطريق..ترد عليه بإقتضاب عندما يتوجه إليها بالحديث،وكأنها تحذره من التمادى معها أكثر،تخبره بكل وضوح أن إرتباطهما هو إرتباط صوري..ويجب ان يظل هكذا،كادت أن تبتعد متجهة إلى بوابة المستشفى ليوقفها ندائه بإسمها مجردا،لتلتفت إليه بملامح جامدة..إقترب منها حتى توقف أمامها تماما،لينظر إلى عينيها مباشرة وهو يقول بثبات: -عارف إن إرتباطنا أدام الناس ،بس كمان لازم نظهر أدامهم كأي إتنين مرتبطين ومفيش إتنين مرتبطين مبيمشوش وإيديهم فى إيدين بعض،كمان مفيش إتنين مرتبطين ملامحهم بتبقى بالشكل ده ،وكأن حد ميت عندهم ..ولا إيه؟ رمقته للحظات بتحدى،قبل أن تلين ملامحها..ليمد يده فى تلك اللحظة ويمسك بيدها دون أن يحيد بنظراته عنها فلم تمنعه،ليومئ برأسه إيماءة خفيفة ..قبل أن يتجها سويا إلى بوابة المستشفى،لتصل إليه نبراتها الهامسة وهي تقول: -هانت كلها يومين والمسرحية السخيفة دى تخلص..وساعتها كل واحد هيروح لحاله يادكتور. إبتسم بداخله لروحها المتمردة والتى مازالت تقاومه بكل قوة وظهرت إبتسامته تلك على وجهه وهو يحيي كل من يصادفهم فى طريقه،ليظهر كأسعد رجل بالعالم..وهذا ما يشعر به الآن ويده تحتضن يدها....تماما. ******************** توقفت هاجر بسيارة الأجرة قريبا من تلك البناية التى تقطن بها ثم ترجلت منها بهدوء يخالف هذا الحنق الذى ربض بكيانها،تتذكر هذا الرجل الوقح الذى أثار حنقها اليوم ومازالت حانقة حتى تلك اللحظة ..خاصة وأنها قد بحثت عن تلك الرواية فى كل مكتبة قد صادفتها فى الطريق فلم تجدها،ربما بدأ الأمر كعشق للكاتب ورغبة منها فى قراءة جميع مؤلفاته،فقد قرأت للعظيم يوسف السباعى..تقريبا جميع رواياته مثل (إنى راحلة وبين الأطلال ورد قلبى)..ولم يعد هناك سوى رواية (أرض النفاق) والتى تثق بأنها إبداع كباقى روايات الكاتب،ولكن الأمر الآن تعدى عشقها لروائع السباعى..وأصبح تحدى لهذا الرجل الذى حرمها قراءة الرواية،لتبرهن له فقط أنه لم يستطع أن يكسر أنفها،ولكن هاهي قد رجعت إلى المنزل بخفي حنين..وستضطر بالغد أن تنزل إلى مكتبة الأسكندرية لتبحث عن تلك الرواية،أفاقت من أفكارها على هذا الرجل الذى توقف أمامها فجأة يرمقها بملامح وقحة لم ترتح إليها أبدا..عقدت حاجبيها لتشعر أن ملامحه تبدو مألوفة،أدركت على الفور أين رأته بالسابق،فهو يمتلك هذا المتجر بجوار بنايتهم تلك..تراه كل يوم عند عودتها يرمقها بتلك النظرات الوقحة..ليظهر الغضب على وجهها حين حاولت أن تتجاوزه فوجدته يتحرك معها ليظل واقفا أمامها مجددا..رمقته بحدة قائلة: -فيه حاجة ياأستاذ؟ إبتسم بسماجة قائلا: -مرتضى ..إسمى مرتضى ياست الأستاذة. قالت بنفاذ صبر: -خير ياأستاذ مرتضى. لمعت عيناه وهو يقول: -كل خير ياست الأستاذة..أنا بس كنت عايزك تشرفينا فى المحل وتختارى حاجة من عندنا،ده إنتى هتنورينا والله. حاولت أن تتجاوزه مجددا قائلة: -لأ شكرا..مش عايزة حاجة. تحرك معها مجددا لتقف متحفزة وهو يقول: -طب بصى بس وخدى فكرة . نظرت إليه بغضب قائلة بحدة: -قلتلك مش عايزة ،هو إيه؟بالغصب؟لو سمحت إبعد من طريقى دلوقتى حالا،يا إما هصرخ وألم عليك الناس..مفهوم؟ ظهر الغضب على ملامحه وتحركت يداه بإتجاهها ولكنه مالبث ان تراجع وهو يفسح لها الطريق لتتجه بخطوات سريعة غاضبة بإتجاه المنزل..تاركة إياه يغلى من الغضب. ******************** كان حسام يجلس فى مكتبه،يراجع بعض التقارير..حين دلفت إليه نور سكرتيرته وهي تقول بملل: -شركة الزيات مش موافقة على شروطنا وطالبة تراجع معاك بنود العقد من تانى. رفع عيونه إليها قائلا بحنق: -دول بيتلككوا بقى..دى تانى مرة يقولوا كدة،المرة اللى فاتت قعدنا وغيرنا الشروط وحطينا اللى هم عايزينه..طالبين إيه تانى؟ إقتربت منه حتى جلست أمامه تماما قائلة: -طالبين ضمانات كمان..حاجات تخليهم يدخلوا معانا الصفقة بقلب جامد. نهض حسام بعصبية وهو يتجه إلى تلك النافذة ينظر من خلالها قائلا : -هيطلبوا إيه تانى ؟ أنا إديتلهم كل الضمانات اللى ممكن أقدمهالهم..مبقاش فيه حاجة تانية غير البيت اللى ساكن فيه أنا وعيلتى وده مستحيل أجازف بيه. شعر بيديها تدلكان كتفيه برقة قائلة: -طيب إهدى شوية وروق أعصابك المشدودة دى وكل حاجة وليها حل. شعر بأعصابه فعلا تسترخى مع لمساتها ..يغمض عينيه ويدع هذا الشعور المريح يتغلغل إلى كيانه ولكنه لم يلبث أن فتح عيناه فجأة يبتعد عنها قائلا بجزع عندما شعر بيداها على بشرة عنقه العارية: -نور إنتى بتعملى إيه ؟إحنا فى المكتب. قالت نور فى ضجر: -وفيها إيه يعنى؟واحد ومراته..محدش ليه عندنا حاجة على فكرة. رمقها خالد بنظرة تحذيرية وهو يقول: -محدش هنا يعرف إنك مراتى..وياريت توطى صوتك عشان لو وصل الكلام لسماح مش هيحصل طيب. رمقته قائلة بسخرية: -إنت لسة بتخاف من الهانم؟ قال حسام بإرتباك: -لأ..مش خوف منها على فكرة،هو يعنى..تقدرى تقولى خوف على مشاعرها..أنا عمرى ما شفت منها غير كل خير ومش حابب أأذيها. قالت نور بحنق: -ولما هي كويسة أوى كدة..كنت بتتجوزنى ليه ياحسام؟ قال حسام بحدة: -قلتلك وطى صوتك يانور. رمقته نور بغضب دون أن تتحدث لتلين ملامحه وهو يقول مستطردا: -ما إنتى عارفة إتجوزتك ليه ..سافرنا فى رحلة عمل وليلتها سكرت وحصل اللى حصل،وانتى بعدها قعدتى تعيطى وتقوليلى صلح غلطتك ياحسام فصلحت غلطتى وإتجوزتك تانى يوم.. قالت بحزن: -يعنى جوازك منى مش اكتر من تصليح غلطة ياحسام. إقترب منها حسام حتى توقف أمامها يمسك يديها بين يديه قائلا بحنان: -فى الأول بس يانور..لكن بعد كدة أكيد حبيتك. إبتسمت وعيونها تلمع بالسعادة..لتقول بحب: -أنا كمان بحبك أوى ياحسام. إبتسم وهو يرفع يديها إلى شفتيه يقبلهما برقة..ناظرا إلى عينيها..لتتسع إبتسامتها قبل أن تقول وهي تهز حاجبيها صعودا وهبوطا : -بمناسبة جوازنا ياحسام..إيه رأيك لو نحوله من عرفى لرسمى؟ تجمدت ملامحه للحظة ثم ترك يديها قائلا بإرتباك بدا ملحوظا لها: -أكيد هنحوله ياحبيبتى..بس لما يعنى..أقصد لما أقدر.... قالت بسخرية : -لما تقدر تقول للهانم على موضوع جوازنا مش كدة؟ نظر إليها بثبات ..تصلها إجابته من خلال نظراته..لتقترب منه تعدل له رباط عنقه قائلة بمداهنة: -مش مهم تعرف ياحبيبى..أنا ميهمنيش،أنا عايزة جوازنا يكون رسمى ياحسام،بينى وبينك بس،حاجة بس تطمنى إنك مش متجوزنى رغبة أو نزوة..وفى المقابل إعتبر شركة الزيات فى جيبك. ظهرت اللهفة على وجه حسام وهو يقول بسرعة: -بجد يانور؟! نظرت إلى لهفته وبداخلها إرتسمت إبتسامة منتصرة لم تظهر على وجهها وهي تقترب مقبلة ثغره برقة قبل أن تقول: -بجد ياقلب نور. ليبتسم حسام بسعادة وهو يقول: -ديل ياحبيبتى.. لتظهر إبتسامتها أخيرا على وجهها تخبره بسعادتها برضوخه....أخيرا. الفصل السابع قالت سمر بحنان: -طب إهدى بس ياهاجر،ومتعصبيش نفسك بالشكل ده. قالت هاجر بحنق وهي تتحرك جيئة وذهابا بعصبية: -أهدى إزاي بس بعد اللى حكيتهولك ؟ أنا مش عارفة بس أنا ليه كل الرجالة الباردين والأغبيا ييجوا لحد عندى ويقفوا قصادى..مش عارفة أكره مين أكتر؟ البنى آدم اللى كان فى المكتبة الصبح ولا سى مرتضى ده كمان،واللى شكله هيحطنى فى دماغه ،وفى الرايحة والجاية هيقطع طريقى. قالت سمر بقلق: -لأ ..لو هيقطع طريقك يبقى نكلم أستاذ مجد يتصرف معاه. توقفت هاجر وهي تنظر إلى سمر بدهشة للحظات قبل أن تقول: -نكلم أستاذ مجد؟غريبة،مش ده اللى كنتى بتقوليلى بلاش تندهيله ياهاجر وتدخليه فى أمورنا الشخصية..دلوقتى بقى عادى كدة يتدخل؟ قالت سمر بإضطراب: -لأ..أنا ..أصلى..يعنى... إبتسمت هاجر لأول مرة فى هذا اليوم الغريب..وهي تقول: -أنا بهزر،هي فكرة كويسة فعلا..لو ضايقنى تانى هكلم أستاذ مجد،هو فعلا رجل محترم وهيقدر يوقفه عند حده. أومأت سمر برأسها بهدوء يختلف عن هذا الشعور الذى يجتاح كيانها الآن فقط لذكر إسم هذا الرجل الذى يربكها..تشعر بالأمان الكامل معه ومع ذلك تخشاه هو،أو ربما تخشى ما يجعلها تشعر به على الأرجح... قالت هاجر: -المهم ..عملتيلنا إيه على الغدا؟أنا هموت من الجوع. إبتسمت سمر قائلة: -عاملالك سبانخ باللحمة بس إيه ..تجنن..هتاكلى صوابعك وراها. قالت هاجر بسعادة: -وساكتة من الصبح ياشيخة،انتى عارفة انى بعشق أكلك، يلا بينا ناكل ياأحلى سمسمة فى الدنيا. إبتسمت سمر وهي تبعث لها بقبلة هوائية،بادلتها إياها هاجر..قبل أن تتجه إلى المطبخ تتبعها الأخيرة بإبتسامة ....واسعة. ******************** أمسك مجد بألبوم الصور يجول بين جنباته بإبتسامة عاشقة حانية،يتلمس بعض الصور بحب،يتساءل بمرارة.... كيف لم ينتبه إلى أن عمله يأخذه بعيدا عنها،كيف كان يتأخر بالمكتب و يتركها وحيدة ؟بل أحيانا كان يحضر عمله معه إلى المنزل،وينشغل به عنها.... فلم تتذمر ولم تقل شيئا عن إبتعاده وتفانيه فى العمل،بل أحيانا كانت تشجعه أيضا،وحتى حين كان يعود من عمله بمشاكل العمل التى لا تنتهى،ويفرغ غضبه بالمنزل،فيتذمر وقتها من كل شئ تفعله ..كانت تصمت تماما حتى يهدأ،ثم تحادثه بكلماتها الرقيقة فتشعره بالذنب مرارا وتكرارا،كم كان غافلا عن أفعاله التى أبدا لم ترفق بها.... هي .... من أحبته من كل قلبها،ورغم أنه بادلها هذا العشق إلا أنه إعتبرها دائما من ممتلكاته ونسي أن لها روحا،وما أفاق من غفلته سوى بعد فوات الأوان.... لقد كانت رائعة حقا حبيبته زوزا ،و لو عاد به الزمن لما فارقها يوما،بل لما فارقها لحظة.. ولمنحها كل ما حرمها منه.... أغمض عينيه وهو يتراجع بظهره للوراء،وصورة سمر تطل بذاكرته،كم تشبه حبيبته فى كل تصرفاتها..كم تجذبه مشاعره إليها،حتى أنه فى بعض الأحيان يود لو ضمها إليه بقوة،يتنفس الماضى شوقا وهي بين أضلعه،لدرجة أنه يتجه إليها بالفعل،ولكنه فى اللحظة التالية يتذكر أنه غريب كلية بالنسبة إليها..وأنها على الأرجح ستنفر منه ،بل وستتهمه بالجنون،وربما إبتعدت عنه للأبد.... وكم حقا يشعر بالجنون..فهو مجنون زوزا أو مجنون سمر..فى تلك اللحظة هو يشعر بأنهما أصبحا شخصا واحدا..يعشقه بجنون،وتبا كم يقتله هذا الشعور..فما هو بقادر على أن يضم زوجته زوزا إلى صدره ومن المستحيل أن يفعل ذلك مع سمر..جارته.... أفاق من أفكاره على صوت الباب يفتح ودلوف حسن من الباب،ففتح عيناه بسرعة وهو يمسح تلك العبرات التى سكنت بهما مغلقا الألبوم وواضعا إياه جانبا..ليقترب حسن منه ويجلس بجواره بهدوء وقد لاحظ إحمرار عيون اخيه وأنه كان يمسح شيئا من عينيه عند دخوله من الباب،على الأرجح عبرات،كما إنتبه إلى هذا الألبوم..والذى يدرك بكل يقين صور من القابعة به؟ليقول بشفقة: -حاول تنسى يامجد،ومتقلبش فى اللى فات..اللى حصل حصل،ومش بإيدنا نرجع الوقت عشان نصلح غلطنا. ليصمت للحظة قبل أن يستطرد بمرارة: -كلنا غلطنا صحيح و دفعنا تمن غلطاتنا،بس كمان مبقاش يفيد الندم،اللى عدا خلاص دفناه،واللى جاي إتعلمنا فيه منكررش الغلط،وبإذن الله اللى جاي أحلى..صدقنى. نظر إليه مجد بحزن دون أن ينطق..ليربت حسن على يد مجد قائلا بحنان: -وبعدين مين بس كان يتوقع إن سحر تتجنن وتنتحر بالشكل ده؟ نهض مجد قائلا بعصبية إمتزجت بمرارة كالعلقم: -خلاص ياحسن..أبوس إيديك،كفاية كلام فى الموضوع ده..أنا بحاول أنساه بكل تفاصيله،وأنسى إنها بإنتحارها ضيعتنى..و أخدت كل حاجة كانت حلوة فى حياتى ،أخدا زوزا وأخدت معاها حتى إبنى اللى كنت بحلم بيه كمان. ظهرت الشفقة على ملامح حسن وهو ينهض بدوره قائلا: -طيب إهدى بس يامجد وقوللى ..الجماعة اللى تحت عاملين إيه؟ زفر مجد وهو يجلس مجددا قائلا: -كويسين..بس فيه حاجة حصلت ولازم أقولك عليها ،عشان تبقى عارف. عقد حسن حاجبيه وهو يجلس مجددا قائلا: حاجة إيه دى؟ نظر مجد لحسن للحظة فى تردد قبل أن يخبر أخاه ..بكل شئ. ******************* كانت سماح تجلس فى الردهة تتابع مسلسلها التركي المفضل لديها على الإطلاق حين فوجئت بمراد يجلس بجوارها بهدوء..نظرت إليه لتلاحظ هذا التردد الذى يغلف ملامحه وهو ينظر إليها،لتمسك الريموت تغلق به التلفاز بهدوء قبل أن تعتدل ناظرة إليه وهي تقول : -مالك يامراد..عايز تقول إيه؟ إبتلع مراد ريقه بصعوبة،يود أن يخبر والدته بما شاهده اليوم عند خروجه من الدرس..ولكنه يدرك أن والدته الرقيقة لن تتحمل هذا الخبر،فكيف يخبرها أنه شاهد أباه فى السيارة مع نور سكرتيرته ..ربما بدا الأمر طبيعيا لولا أنه لمحها تضع يدها على صدر والده بطريقة حميمية ..لا تفعلها أبدا إمرأة قد تكون مجرد سكرتيرة لرجل وتعمل لديه،بل يدرك مراد ورغم صغر سنه أن الأمر يتعدى ذلك ..ولكن كيف يخبر والدته بهذا الأمر دون أن يؤذى مشاعرها... يتساءل فى حنق عن والده الذى إستطاع بكل سهولة أن يؤذى والدته،تلك التى يشعر بحبها لوالده فى كل عمل تفعله..حتى ولو كان مجرد إعداد وجبة يفضلها هذا الوالد الذى يبدو أنه إستبدلها بأخرى لن تكون أبدا كوالدته..أفاق من شروده على صوت والدته التى قالت فى قلق: -مراد..مالك ياحبيبى؟ قال مراد بتردد: -هو إنتى ليه ياماما..يعنى ..مبتشتغليش مع بابا؟ إبتسمت سماح بإرتياح وهي تقول: -هو ده السؤال اللى شاغل بالك بالشكل ده؟بسيطة ياسيدى..إنت عارف باباك،مبيحبش شغل الستات ورافضه نهائي،ده غير إنه ميعرفش إنى إتعلمت لغات فى البيت،وأقدر أفيده فى شغله اللى بيجيبله مترجم مخصوص..وأنا خايفة أقوله يتخانق معايا،زي ما إتخانق معايا لما عرف إنى كملت تعليمى من وراه..وبطلت أطلب منه إنى أشتغل معاه من كتر ما رفض،وخلاص بقى.. إتعودت يامراد. قال مراد بنبرة رغما عنه بدا الغضب بها: -ولما هو رافض شغل الستات..مخلى نور سكرتيرته ليه؟ نظرت إليه سماح بدهشة قائلة: -إسمها طنط نور يامراد..عيب تقول إسمها من غير ألقاب،وبعدين إنت متعصب كدة ليه؟بابا حر ياحبيبى..يشغل معاه اللى هو عايزه،وبعدين أنا ياسيدى اللى مش عايزة أشتغل..وعايزة أتفرغ للبيت ولبابا وليك ياحبيبى. نهض مراد قائلا بعصبية: -لأ مش صح..أنا سامعك وإنتى بتقولى لطنط ماجى إن كان نفسك تشتغلى بس بابا رافض،يعنى دى رغبتك الحقيقية ..مش كلام بتقوليهولى بس عشان تريحينى. نهضت سماح قائلة بصدمة: -مالك يامراد؟إيه اللى معصبك بالشكل ده..وإيه اللى خلاك تتكلم فى الموضوع ده دلوقتى؟ قال مراد بسرعة: -عشان...عشان.... صمت وهو يرى ملامحها المتحفزة،ليطرق برأسه قائلا بحزن: -عشان نفسى تحققى حاجة حلمتى بيها لنفسك ياماما،مش عايز يبقى كل همك تفكرى فى سعادتى وسعادة بابا وبس..نفسى تفكرى فى نفسك. ليرفع وجهه وهو ينظر مباشرة إلى عينيها قائلا: -فكرى فى سعادتك إنتى لمرة واحدة فى حياتك..زي ما غيرك فكر. إبتسمت سماح بحنان وهي تقترب منه تمسكه من ذراعيه قائلة: -وهو يعنى سعادتى وسعادتكم إيه يامراد؟ما هما الإتنين شئ واحد. نفض مراد يديها عن ذراعيه قائلا بحدة: -لأ مش شئ واحد ياماما..هتفهمى الكلام ده إمتى بس؟ نظرت إليه فى حيرة ليتحاشى هو نظراتها وهو لا يستطيع البوح لها بما فى جوفه من مرارة،قبل أن يلتفت مغادرا إلى حجرته،تتابعه عيناها بحيرة..كادت أن تتبعه ولكن صوت رنين هاتفها إستوقفها لتنظر إلى شاشة الهاتف وتجدها ماجى،فضغطت على زر الإيجاب وهي تتجه إلى حجرتها،تنوى أن تعود لمراد بعد إنهاء مكالمتها...بعد قليل. ******************** طرق هادى الباب قبل أن يفتحه بهدوء عندما سمع سمر تسمح للطارق بالدخول..ليطل بوجهه قائلا بإبتسامة: -خلصتى شغل؟ أومأت برأسها بهدوء ليدلف إلى الحجرة قائلا: -طيب إيه رأيك نروح.... قاطعته قائلة بحدة وهي تنهض بعصبية: -لأ ما هو مش معنى إنى وافقت اتخطبلك إنك تفتكرها سايبة ،وكل شوية تطلب أخرج معاك،ولغاية المهزلة دى ما تخلص،فأكتر من مرة او إتنين توصلنى فيهم مش هسمح..مفهوم؟ تأملها بصمت للحظات بطريقة أربكتها ..ثم تقدم منها خطوات قليلة حتى توقف أمامها تماما..ليقول بهدوء: -ومش معنى إنى ساكت على أسلوبك وكلامك الجارح،لإنى مقدر مشاعرك..فده يديكى إنطباع إنى ضعيف الشخصية أدامك،أو يديكى الحق تتمادى فى الكلام معايا..أنا آسف بجد لو إعتبرتى أخلاقى عيب فية أو ضعف،أنا جيتلك بس لما شفت إنك عملتى النهاردة عمليات مرهقة فعلا،وقلت أكيد حابة تشربى قهوتك معايا فى الكافيتريا..ده غير إنى فكرت إن ده هيدعم موقفنا أدام الكل هنا فى المستشفى بعد الكلام اللى وصلى عن مضايقة نهى ليكى الصبح،لكن الظاهر إنى طلعت من تانى غلطان.. فآسف إنى أزعجتك وأوعدك مكررهاش تانى. أومأ لها برأسه بتحية مقتضبة وإستدار مغادرا بهدوء..لتنظر فى إثره بندم،تدرك وبكل قوة أن لديه كل الحق فى سخطه..وأنها حقا تخطت بسخافتها كل الحدود. ******************* قالت هاجر عاقدة حاجبيها : -معندناش كابتشينو ياسمر ..مقلتليش ليه بس؟ قالت سمر بإبتسامة: -قلتلك ياهاجر وبعتلك رسالة على الواتس آب كمان..أنا عارفة إنك متقدريش تذاكرى من غيره،متقدريش تعيشى أصلا من غيره..بس إنتى اللى نسيتى. ضربت هاجر على رأسها بخفة قائلة: -صح ..إفتكرت..بس اللى حصل الصبح نسانى،عموما هنزل لحد السوبر ماركت أجيبه وآجى..مش عايزة حاجة تانية أجيبهالك معايا؟ قالت سمر: -هاتى مكرونة عشان هطبخ بكرة نجرسكو..بس متتأخريش ياجوجو. إبتسمت هاجر وهي تحضر حقيبتها متجهة إلى الباب قائلة: -مش هتأخر ..مسافة السكة. لتخرج قائلة: -سلام ياسمسمة. إرتطمت بأحدهم بعد أن أغلقت الباب وكادت أن تقع فأسندها هذا الشخص بسرعة،إعتدلت على الفور تشكر منقذها ظنا منها أنه مجد،ولكنها ما إن رأته حتى تحفزت ملامحها وهي تعقد حاجبيها بقوة فى صدمة،بينما تأملها هذا الشخص بنفس النظرة الساخرة التى أثارت حنقها أكثر ...وأكثر. ******************* تنهدت سماح قائلة: -مش عارفة ياماجى..قلبى مش مرتاح،وكأن فيه حاجة غلط بتحصل فى حياتى بس مش قادرة أحدد إيه هي الحاجة دى. قالت ماجى فى نفسها "حياتك كلها غلط ياموحة ..وكلنا شايفين كدة..بس انتى اللى لسة عايشة فى العالم الوردى اللى رسمتيه لنفسك ومش قادرة تشوفى الحقيقة ..الحقيقة اللى أنا وإخواتك وكل اللى يعرفوكى شايفينها..والحقيقة دى إنك تستاهلى فرصة تانية تعيشى فيها لنفسك وبس..تبطلى تسعدى اللى حواليكى وتسعدى نفسك وبس..إنتى تستاهلى تبقى مبسوطة ياسماح" أفاقت من أفكارها على صوت سماح وهي تقول بقلق: -حتى مراد ياماجى..النهاردة مش طبيعى خالص،وبيقول كلام غريب. عقدت ماجى حاجبيها وهي تقول: -مراد؟قالك إيه مراد؟ أخبرتها سماح بما قاله لها مراد لتتوجس ماجى خيفة..ترى هل أصبح لدى مراد نفس الشك الذى أصبح يراود ماجى بالفترة الأخيرة؟خاصة وقد رأت صور لحسام مع نور على صفحة شركته..ونظرة نور لحسام التى لا تبشر أبدا بالخير،ولا تدرى ماجى كيف لا ترى سماح تلك النظرات وكيف تثق بها وبزوجها تلك الثقة العمياء؟طال صمتها لتفيق على صوت سماح تقول بقلق: -روحتى فين ياماجى؟ قالت ماجى بإضطراب: -انا هنا..مروحتش فى حتة..بسمعك ياموحة. قالت سماح: -طيب إيه رأيك..أفهم إزاي مراد إن انا مبسوطة بحياتى كدة،وراضية بيها بالشكل ده؟ قالت ماجى بهدوء: -إزاي هتقنعيه باللى إنتى مش مقتنعة بيه أساسا؟ قالت سماح: -يا ماجى أنا يمكن كان نفسى أعمل حاجات كتير ويمكن جوازى من حسام منعنى،بس ده مش معناه إنى مش مبسوطة بحياتى كدة،أنا عندى زوج طيب وبيحبنى وإبن ربنا يخليهولى وإخواتى كمان..هطلب إيه أكتر من كدة؟ قالت ماجى بتقرير: -ناقصك تحققى طموحك وأحلامك اللى هم جزء منك،كمان ناقصك أهم حاجة فى الدنيا..ناقصك تعيشى ياسماح. تنهدت سماح قائلة: -ما أنا عايشة أهو. قالت ماجى بهدوء: إنتى عارفة كويس إنك مش عايشة وبتحاولى تاخدى منى كلام يأكد أوهام بتحاولى تقنعى بيها نفسك ،وأنا عمرى ما كدبت عليكى ياسماح ومش هبدأ دلوقتى،فكرى كويس فى كلام إبنك وكلامى،وياريت بعد ما تفكرى،تبدأى تشوفى اللى كلنا شايفينه من زمان. أغمضت سماح عينيها بحزن..تدرك أنها بالفعل تدرك الحقيقة ولكنها تحاول إنكارها..بكل ما أوتيت من قوة. ******************** قالت هاجر بحنق: -إنت تانى؟ إتسعت إبتسامته الساخرة وهو يقول: -وإنتى تانى. رمقته بحنق قائلة: -طب حاسب من أدامى خلينى أعدى ولا هتفضل واقف فى طريقى كتير؟ تنحى جانبا قائلا: -ودى تيجى..إتفضلى يابرنسيسة. رمقته بحنق وهي تقترب منه تشير إليه بإصبعها قائلة بحدة: -لأ ما هو مش عشان حضرتك ضيف أستاذ مجد ،يبقى هعديلك سخافتك دى..إلزم حدودك يابنى آدم إنت. تجمدت ملامحه تماما وهو يقول ببرود: -أولا أنا مش ضيفه ،أنا أخوه..ومش معنى إنك إنتى ضيفته يبقى هسمحلك تكلمينى بالأسلوب ده..مفهوم؟ رغما عنها تراجعت خطوة من ذلك الجليد الذى غلف كلماته فأرسل إلى جسدها قشعريرة باردة..لترمقه بحدة دون أن تنطق بكلمة قبل أن تتجه إلى الأسفل..تاركة إياه يتابعها بعيون إرتسم فيهم الغضب. ******************** كان يمرر سبابته على حافة فنجال القهوة الخاصة به ،يشعر بالضيق من موقفها المعادى له..لا تدرك أنه معها بكل دقة فى قلبه،وأنه لا يمكن أبدا أن يؤذيها..تجمد إصبعه وهو يسمعها تقول بنبرات نادمة: -إنت معاك حق على فكرة. رفع عيونه إليها ليرى الندم فى عيونها..تأملها فى صمت فجلست أمامه،تضع يديها فى حجرها ..تفركهما بتوتر وهي تقول مستطردة: -إنت ملكش ذنب فى اللى حصل ومش من حقى أعاقبك عليه،بس صدقنى غصب عنى،أنا بس مش متعودة على حد يكون..حد يعنى..حد... كاد أن يبتسم بداخله على تلعثمها الذى زادها جمالا..ليخفي إبتسامته بصدره وهي تستطرد قائلة: -مش متعودة يعنى يكون حد قريب منى..زي ما قربت إنت منى،أكيد الموضوع ده موترنى،بس أوعدك إنى أحاول أتقبله وأتعامل معاه..فى الفترة اللى هنظهر فيها مرتبطين على الأقل..فإيه رأيك لو نبدأ من جديد؟ تأملها بصورة أربكتها قبل أن ينهض بهدوء ودون أن ينطق بكلمة..أطرقت برأسها بحزن تدرك أنها قد ندمت على تصرفاتها الحمقاء بعد فوات الأوان ،ولكنها مالبثت أن رفعت رأسها إليه عندما قال: -قهوتك إيه؟ إبتسمت حين طالعها مبتسما لتقول بهدوء: -مظبوط..بشربها مظبوط. أومأ برأسه مغادرا بإتجاه النادل تتابعه عيناها وهي تتمسك بمحبسها بقوة ....دون أن تدرى. رواية ضلع مكسور سينجبر. بقلم شاهندة. الفصل الثامن كانت هاجر عائدة إلى المنزل تحمل بعض الأكياس بيدها..حين وجدت مرتضى يقف فى وجهها من جديد..يتأملها بتلك النظرة الوقحة،زفرت فى حنق ثم واجهته بعيون غاضبة وهي تقول: -خير ..فيه حاجة تانى؟ إبتسم مرتضى بسماجة قائلا: -أبدا ياست الأستاذة ،أنا بس كنت حابب أشيل عنك الأكياس دى..عيب يعنى أكون موجود وتشيليهم؟وبعدين لما تحتاجى حاجة ابقى عرفينى وأنا أجيبهم لحد عندك. حاولت هاجر أن تهدئ أنفاسها الغاضبة كي لا تتهور..فأمثال هذا الرجل يحتاج إلى الروية فى التعامل وربما بعض البرود أيضا..لتقول بهدوء: -من فضلك يامحترم..لو سمحت..خليك فى حالك وملكش دعوة بية،أشيل أكياس بقى أو لأ..أنا حرة..ومش محتاجة مساعدة ولو احتجت أكيد مش هطلبها منك انت..مفهوم..ولا انت من الناس اللى بيحتاجوا أعيدلهم الكلام أكتر من مرة؟ ظهر الغضب على ملامحه وهو يقول بحدة: -إشمعنى يعنى..مالى؟مش عاجبك ليه ودايما مصدرالى الوش الخشب؟ناقص إيد يعنى ولا ناقص رجل؟ زفرت هاجر بقوة قبل أن تقول بنفاذ صبر: -مش مفروض إن حضرتك تهمنى أساسا..أو يكون لية أي رأي فيك،وياتسيبنى فى حالى.. يابجد هتضطرنى أشتكيك. عقد مرتضى حاجبيه بشدة وانتفخت أوداجه وهو يتقدم منها خطوة لتتراجع رغما عنها وقد شعرت بالرهبة..وهو يقول بغضب: -الظاهر إنك مبتجيش بالذوق ولازم تيجى بال.... قاطعه صوت غاضب النبرات تعرفه هاجر جيدا جاء من خلفها وهو يقول بحدة: -فيه حاجة يامرتضى؟ رمق مرتضى محدثه بحنق ثم قال بحدة: -مفيش ..الحق علية ..حبيت أعمل بأصلى زي أي ابن بلد ميهونش عليه بنت شارعه تشيل تقيل وهو واقف..... قاطعته هاجر قائلة بحدة: -وأنا قلتلك خليك فى حالك..وملكش دعوة بية. قال مرتضى بغضب: -شايف ردها وأسلوبها معايا؟ قالت هاجر بغضب: -وإنت مين انت.... قاطعها حسن وهو يتقدم أمامها مواجها مرتضى قائلا بصرامة: -عرضت خدماتك عليها ورفضت..وقالتلك إنها فى غنى عنها،يبقى تخليك فى حالك زي ما قالتلك ومتحاولش تقربلها تانى..مفهوم يامرتضى؟ نظرت هاجر إلى ظهر حسن فى حيرة من موقفه.. وإتخاذه صفها بعد أن توقعت العكس تماما،ظنا منها أنه لخلافه معها سيؤازر هذا المرتضى..لتنفض حيرتها عندما قال مرتضى بعيون تطاير منها شرارة الغضب: -والباشا آخد الموضوع على أعصابه كدة ليه..السنيورة دى تخصك فى حاجة؟ إقترب حسن منه بعيون ظهرت فيهم صرامة بالغة وهو يقول ببرود كالجليد: -كلمة زيادة وقسما بالله ماهبقى على جيرة ولا عشرة..والبادى أظلم يامرتضى. نظر إليه مرتضى للحظات بتحدى..قبل أن تظهر إبتسامة ساخرة على وجهه وهو يتنحى جانبا بصمت..بينما إسترخت ملامح حسن وهو ينظر إلى هاجر بعيون باردة قائلا: -إتفضلى أدامى. رغم نبراته المتسلطة..وحدة نظراته ،وحنقها منه إلا أنها أطاعته على الفور ترغب بالهرب من هذا المرتضى ودقات قلبها التى تسارعت خوفا لأول مرة فى حياتها من نظرات رجل وقح مثله..بينما تبعها حسن بهدوء وما أن ابتعدا قليلا حتى تحولت نظرات مرتضى الساخرة إلى نظرات حاقدة..وهو يقول بغل: -بقى كدة ياحسن ،مبقاش مرتضى إبن الشيخ سالم،إن ما جبت عاليها واطيها ..والبادى حقيقى أظلم ياإبن الصعيدى. ******************** كانت سمر تتابع مسلسلها التركي بشغف..قد شغلتها تلك البطلة التى تعانى من تجاهل زوجها المطلق لها وتسلطه عليها،تلعن هذا الرجل الذى لا يدرى شيئا عن حزن زوجته وقلبها المنفطر دوما من تصرفاته معها،لتتجمد كلية حين رأت البطلة تضع ملحا فى قهوته وتقدمها له،ليتناول فنجاله منها وهو ينظر إلى هاتفه لا يحيد عنه..حتى وضع حافة الفنجال على شفتيه وتذوق القهوة ليبصقها بسرعة وهو يرمق البطلة بحنق..قبل ان ينهض ويصفعها بقوة.... لم تعد ترى الشاشة وذكرى أخرى تلوح فى الأفق لموقف مشابه تماما حدث لها، ولكن تصرف زوجها لم يكن كتصرف هذا البطل البغيض..هو فقط بصق القهوة وترك الفنجال من يده،تسمع صوته يأتيها من أعماق ذكرياتها بصعوبة مذبذب النبرات وهو يقول: -إيه ده ؟ لتسمع صوتها بوضوح وهي تقول بقهر: -معلش،حبيت ألفت إنتباهك وأحسسك إنى بنى آدمة موجودة ومهمة فى حياتك زي تليفونك وشغلك بالظبط،وبما إنى نجحت أخيرا فى إنى أشد إنتباهك لية،فحابة أعرفك إنى من النهاردة هكون زي القهوة دى،صحيح بتحبها ..بس ملحها مش هيخليك تقرب منها تانى. أمسكت رأسها بشدة وهذا الصداع المؤلم يضربها بقوة،نهضت ببطئ وإتجهت إلى حجرتها لتتناول حبة من شريط الدواء الموضوع على الكومود بجوار سريرها ثم تشرب كوبا من الماء..تغمض عينيها لثوان ثم تفتحهما وهي تتنهد بحزن... تبا لتلك الذكريات التى تطاردها من وقت لآخر،تؤكد لها أن زوجها كان رجل لا يستحق البكاء عليه والدليل على ذلك هو عدم بحثه عنها بعد هذا الحادث الذى تعرضت له،تتمنى فقط لو عرفته او حتى تذكرت ملامحه التى تظل فى عقلها الباطن مبهمة ،يظهر فى ذكرياتها ضبابي الشكل،ليتأكد لها مرارا وتكرارا أنها لابد وأنها كانت تكرهه بشدة لتنساه بهذا الشكل،عادت لمكانها تجلس أمام التلفاز تتابع المسلسل بحزن ..ترى البطلة وهي تطلب الطلاق من زوجها،لتشجعها من كل قلبها على قرار صحيح ،إتخذته فى الوقت المناسب..تتمنى لو كانت إتخذته بدورها ولكن يظل عليها أن تجده أولا لتفعل ذلك وتتحرر من إرتباط تثق بأنه بغيض تماما ،كذكرياتها معه. ******************** تلكأت هاجر قليلا عندما اقتربت من باب شقتها،ثم توقفت أمامه..تطالع بتردد هذا الرجل الصاعد على الدرج ،حتى مر من أمامها متجاهلا إياها كلية..ليوقفه صوتها المضطرب وهي تقول: -لو سمحت. إلتفت إليها يطالعها ببرود..لتنظر إليه بإرتباك حانق،ترغب فى لكمه على أنفه المتغطرس هذا ولكنها فى نفس الوقت لا تستطيع،يعجزها صنيعه معها..لذا فقد تغاضت عن حنقها وهي تقول على مضض: -شكرا عشان اللى عملته معايا تحت. مال فمه قليلا بسخرية وهو يقول: -معملتوش عشان خاطرك..عملته عشان انتى ضيفة عيلة الصعيدى وضيوفنا محدش يقدر ولو للحظة بس يفكر يضايقهم ..ياإما هيواجهونى أنا. تبا لغروره الذى فاق الحدود..أخذت نفسا عميقا تتمالك به نفسها قبل أن تقول ببرود: -أيا كان السبب فالمهم عندى إنك خلصتنى من البنى آدم ده ..وعشان كدة لتانى مرة بشكر حضرتك وبتمنى محتاجش لخدماتك تانى..عن إذنك. إلتفتت تفتح الباب بسرعة وتدلف إلى الداخل،بينما تابعها حسن بعينيه قبل أن يزفر ويلتفت صاعدا..يدرك بكل قوة أنه يجب أن يبتعد عن تلك الفتاة التى يرسلها القدر فى طريقه..لتشعل فى كل مرة جميع الإنذارات الحمراء برأسه. ******************** كانت هاجر عند دلوفها المنزل تتمتم بحنق : -معملتوش عشان خاطرك..عملته عشان انتى ضيفة عيلة الصعيدى..إنسان مغرور وشايف حاله ..مش عارفة على إيه يعنى؟ نظرت إليها سمر فى دهشة وهي تضع الأكياس على الطاولة بحنق وتتقدم لتجلس بجوارها على الأريكة..عاقدة حاجبيها بغضب..لتقول سمر بحيرة: -مالك ..ما انتى كنتى نازلة فى أمان الله؟راجعة بتبرطمى كدة ليه ؟ لتتسع عيناها فى إدراك وهي تقول: -متقوليش..البنى آدم ده إتعرضلك تانى؟ أومأت هاجر برأسها قائلة : -أيوة ..وتخيلى مين اللى وقفله؟ قالت سمر بإرتباك: -مجد؟قصدى يعنى أستاذ مجد؟ هزت رأسها نفيا قائلة بحنق: -لأ....أخوه. عقدت سمر حاجبيها قائلة: -هو ليه أخ؟ قالت هاجر بحنق: -أيوة وتعرفى طلع مين؟ طالعتها بتساؤل لتستطرد قائلة: -البنى آدم السمج اللى كنت بكلمك عنه الصبح. اتسعت عينا سمر بدهشة وهي تقول: -اللى أخد منك الكتاب؟ اومأت هاجر برأسها لتعقد سمر حاجبيها قائلة: -طيب منين مكنش طايقك ومنين دافع عنك؟ هزت هاجر كتفيها قائلة: -آل ايه احنا فى حماية عيلة الصعيدى وعشان كدة دافع عنى.. لتزفر قائلة: -إنسان مغرور بشكل..اللى يشوفه.. مستحيل يقول انه أخو الأستاذ مجد . شعرت سمر بالإضطراب يعتريها مجددا عند ذكر إسمه..تزداد دقات قلبها ووجهه يطل فى عقلها مع ذكره..لتأخذ نفسا عميقا تتمالك به نفسها وهي تقول: -طيب سيبك منه دلوقتى وفكرى هنعمل إيه فى اللى إسمه مرتضى ده؟ما هو مش معقول هنفضل خايفين فى الرايحة والجاية يقطع طريقك وتحتاجى حماية. تنهدت هاجر وهي تقول : -الظاهر ان الحل الوحيد إنى أكلم أستاذ مجد زي ماقلتيلى قبل كدة ،وأشوف بقى هنعمل إيه. على الرغم من أن تلك الفكرة تصيب جسدها بأكمله بالتوتر..إلا أن سمر أيقنت مثل هاجر أن هذا هو الحل الوحيد لمعضلتهما..والتى ربما تهدد وجودهما بهذا المكان...كلية. ******************** قال يوسف: -يا ياماما ..قلتلك إن ماجى وافقت خلاص ..إدعيلنا إنتى بس ياحبيبتى. إستمع إلى حديث والدته..ليمسك بإصبعيه السبابة والإبهام هذا الجسر ما بين حاجبيه..مغمضا عيناه فى ضيق قبل أن يزفر وهو يفتح عينيه قائلا بحدة: -قلتلك ميت مرة ياماما..اللى بتقوليه ده أنا مستحيل هعمله..أنا بحب ماجى ومش عايز غيرها،أنا حقيقى مبقتش عارف مشكلتك مع الأحفاد ولا مع ماجى نفسها. ليستمع إلى حديثها مجددا قبل أن يقاطعها قائلا: -لأ ياماما..أنا مش جاي ومش هشوف حد..سلام دلوقتى. أغلق هاتفه وهو يزفر بضيق ملتفتا ليتجمد تماما وهو يرى ماجى تقف أمامه تمسك بيديها صينية عليها فنجالين من القهوة..شاحبة كالموتى،وعيونها خالية من الحياة..لم يدرى ماذا يقول لها وقد أدرك أنها إستمعت إلى محادثته مع والدته،حاول أن يفتح ثغره ليقول أي شئ..أي شئ يعيد الروح إليها ولكنه وجدها تقول بهدوء : -قهوتك يايوسف. ثم وضعت الصينية على الطاولة القريبة منها..تأخذ أحد فناجيل القهوة وتستدير مغادرة،ليجد نبرات صوته التى بحث عنها كثيرا وهو يقول: -رايحة فين؟مش هتشربى القهوة معايا؟ قالت دون أن تلتفت: -جيسى عايزانى أحل معاها مسائل الماث..فهشربها فى أوضتها. ثم تحركت مغادرة..بينما يتابعها يوسف بحزن،يدرك أنها تهرب بأحزانها إلى غرفتها متعللة بمذاكرة ياسمين إبنتهما..فقط كي تخفى عنه هذا الحزن الكامن بها لإدراكها ما تفعله والدته وإفتعالها دائما المشاكل رغبة دائمة منها فى التفرقة بينهما..فقط لإنه يوما رفض الزواج من إبنة خالته وتمسك بحبيبته ماجى،لينظر إلى فنجال قهوته قائلا بحزن: -ربنا يسامحك ياماما..ربنا يسامحك. ******************** قال الشيخ سالم بدهشة: -إنت متأكد من الكلام ده يامرتضى؟إنت متأكد إنهم مجد وحسن ولاد الحاج محمود الصعيدى؟ قال مرتضى وهو يتظاهر بالحزن: -طبعا متأكد ياأبويا..أنا كنت ساكت لأجل العيش والملح اللى بينك وبين أبوهم الله يرحمه،بس بصراحة دمى ييغلى وأنا شايف اللى بيحصل كل يوم أدام عينى ومش قادر أتكلم. أطرق الشيخ سالم بعصاه قائلا بصرامة: -الساكت عن الحق شيطان أخرس ياإبنى..صحيح كان ابوهم راجل طيب وكان بينى وبينه عشرة وعيش وملح،وكنت فاكر ولاده زيه،بس لو إتغيروا وحادوا عن الطريق الصح،يبقى واجب علينا التقويم..وإن رفضوا حكمنا ،يبقوا يخرجوا من شارعنا ..إحنا طول عمرنا فى حالنا وملناش فى الشمال واللى حابب يمشى فى الشمال يخرج من شارعنا وربنا هو اللى هيحاسبه..ملناش إحنا صالح بيه. أحس مرتضى بالإنتصار وهو يقول بعيون تلمع : -يعنى هتعمل إيه ياحاج؟ قال سالم بعيون صارمة: -هعمل اللى المفروض يتعمل ياإبنى وربنا يقدرنى عليه. كاد مرتضى أن يظهر سعادته ولكنه أخفى إبتسامة الإنتصار بصعوبة وهو يقول بحزن مفتعل: -وأنا معاك ياأبويا. ******************** رأى رقمها على الهاتف فإنتفض معتدلا..يقول بإضطراب: -ألو. قالت سماح بقلق: -إنت فين ياحسام وتليفونك مقفول ليه؟قلقتنى عليك..انت مش مكلمنى من خمس ساعات تقولى إنك هتيجى تاخد أوراق مهمة للشغل؟ إبتلع حسام ريقه بصعوبة وهو ينهض من السرير يرتدى بنطاله على عجل..ناظرا إلى نور بأسف فإعتدلت بدورها تنظر إليه بحنق بينما أشاح بناظريه عنها وهو يمنحها ظهره قائلا بإرتباك: -آه ..فعلا..ماهو أصل..يعنى..الميتنج إتأجل وجالى مشوار تانى مهم..فنسيت خالص موضوع الورق ده وفونى كمان فصل شحن ..عموما أنا جاي حالا فى الطريق..مش هتأخر. تنهدت سماح قائلة: -ماشى ياحسام..متسوقش بسرعة وخلى بالك من نفسك. أغمض عينيه بإرتياح وهو يقول: -حاضر ياحبيبتى..لا إله إلا الله. قالت سماح : -محمد رسول الله. أغلق الهاتف وقد إرتدى ملابسه ملتفتا إلى نور التى نهضت من سريرها وتقدمت بإتجاهه لتتوقف أمامه تماما وهي تقول بحنق: -أول ما كلمتك ..جري هتروحلها وكأن.... قاطعها واضعا يده على فمها قائلا: -ده كان إتفاقنا ..إنتى عارفة هي بالنسبة لى إيه..وانا مخبيتش عليكى حاجة من الأول. أزاحت يده بعصبية قائلة: -طب وأنا..أنا بالنسبة لك إيه ياحسام؟ زفر حسام بقوة قائلا: -مش هتكلم كل شوية فى الموضوع ده يانور..إنتى حبيبتى ومراتى زيها بالظبط،ومقدرش أخسرك بالظبط زي ما أنا كمان مقدرش أخسرها..انتى لما وافقتى تتجوزينى كنتى عارفة انى متجوز وراضية لكن هي لأ،لا عمرها هتتقبل ده ولا أنا أقدر أواجهها بيه،إحنا صحيح إتجوزنا رسمى بس جوازنا لازم يفضل فى السر وانتى وافقتى على كدة..ولا هترجعى فى كلامك دلوقت؟ تنهدت قائلة بحزن: -لأ مش هرجع..بس ياريت متحسسنيش انها أهم عندك منى،لإنى مهما كنت بحبك مش هقبل أكون مجرد شئ إحتياطى فى حياتك . إقترب منها يمرر يده على وجنتها بنعومة ناظرا إلى عينيها بشغف قبل أن يميل هامسا أمام شفتيها: -إنتى مش ممكن تكونى شئ إحتياطى فى حياتى يانور..إنتى من الضروريات..وجودك فى حياتى زي النفس اللى بتنفسه بالظبط ..من غيره مقدرش أعيش. تاهت تحت تأثير كلماته ليبتسم بنعومة وهو يرى مدى تأثرها به..ترتعش شفتاها مطالبة إياه بتأكيد تلك المشاعر التى تصلها من بين أنفاسه ليسرع بمنحها ماتريد..يقبلها بقوة ..برغبة ..بشغف..لتبادله قبلاته..تحل له أزرار قميصه ليدعها هو تفعل به ماتريد وقد غلبته رغبته وأنسته تلك التى تنتظره الآن بشوق ،زوجة غاب عنها زوجها قلبا وقالبا. ******************** كان مجد يجلس على الكرسي بالردهة يطرق بصمت..تواجهه هاجر وسمر الجالستان على الأريكة أمامه،تحترمان ذلك الصمت المطبق الذى أضحى مجد فيه منذ أن أخبرته هاجر بتعرض مرتضى لها أكثر من مرة ثم تصدي أخاه لمرتضى فى مواجهتها الأخيرة معه ..تأملت سمر هذا الرجل أمامها تدرك أنه غاضب للغاية ويحاول أن يتمالك نفسه ولكن قبضتاه المضمومتان بشدة..فضحت مشاعره..لا تدرى لماذا ودت لو خففت عنه أو ربما أمسكت بيديه تخبره أن يهدأ قليلا..لتنفض أفكارها التى صدمتها وهو يرفع إليهما وجهه وقد ظهر أمامهما بملامح صارمة قائلا: -كدة مفيش أدامى غير حل واحد. نظرا إليه بحيرة ..لتقول سمر بتردد: -إيه هو..قصدى يعنى الحل ده؟ نظر إلى عيونها ..يشعر بالتردد قليلا ..ووصلها هذا الإحساس..ليحسم قراره ويظهر الحزم على وجهه وهو يقول: -إنى.... قاطعه طرقات قوية سريعة على الباب..فنهض بسرعة وهو يتجه إلى الباب وسط قلق الفتاتان،المتسائلتان عن سر تلك الطرقات القوية..ليفتح مجد الباب ويظهر حسن الذى تعلو ملامحه القلق بدوره ناظرا إلى الفتاتين للحظة قبل ينظر إلى أخيه قائلا بتوتر: -مرتضى والشيخ سالم وأهل الشارع جايين على هنا وشكلهم ميطمنش..أنا شفتهم من البلكونة..وجيت عشان أحذرك. قبل أن يجيبه مجد..نظر إلى نقطة ما خلفه..ليستدير حسن ويرى الشيخ سالم ومعه بعض الرجال يصعدون الدرج،ليتوقف الشيخ سالم مطالعا إياهم بنظرة صارمة..هو وبعض أهل الشارع الذين ظهر الغضب على وجوههم،بينما اعتلت وجه مرتضى ملامح السخرية..ليطالعه حسن بحنق،حتى إمتلأ المكان بشحنات الغضب ليدرك الجميع أن تلك الليلة لن تمر على خير.....أبدا