رساله ج الاخير
ـــ ربنا… يخليك.. ليا.. يا ولدي… اتو.. حشتك.. جوي.. احتصنها باشتياق بالغ مع حزن ملأ قلبه على ما وصلت اليه حالتها الصحية ثم التزم الفراش بجانبها ليرعاها و يُمرضها و يؤازرها في مرضها.. + تدريجيًا، انغمس معتصم في حياة البلدة. كان يحرص على رعاية أمه بنفسه مع متابعة المزرعة و حلّ مشاكل الفلاحين بجدية، لكن شيئًا داخله كان لا يزال معلقًا بين الرحيل والبقاء. حاول ألا يفكر في ريم، في الجنين، في كل شيء تركه خلفه، لكنه كان يعلم أن النسيان ليس سوى وهم يطاردنا بلا هوادة.
+ — في مكتب مظلم داخل منزله القديم في البلدة، كان معتصم جالسًا، يراقب الورق الذي أمامه دون تركيز. هاتفه بجواره يهتز بخفة، ليظهر اسم حمد على الشاشة. اعتدل في جلسته والتقط الهاتف بصوت خافت يحمل مزيجًا من الدفء والتعب. + ـــ أيوة يا حمد… وحشتني ياخويا. جاء صوت حمد من الطرف الآخر واثقًا لكنه يحمل مسحة من البُعد: ـــ وأنت كمان يا كبير… أخبارك إيه؟ كله تمام؟ ـــ الحمد لله، أنا في البلد اليومين دول و براعي المزرعة و اهي ماشية زي ما هي… أنت كيفك؟ الدراسة في لندن شكلها واكلة وقتك كله؟
ـــ آه، مش بطّال… أهو بنحاول نوصل للّي عايزينه. ابتسم معتصم بخفة، لكنه عاد إلى نبرة الجدية سريعًا: ـــ حمد، كنت عايز أتكلم معاك في موضوع. + تغيرت نبرة حمد إلى التحفظ: ـــ عن صافية؟ أومأ معتصم وكأنه أمامه، رغم أن المكالمة لا تحمل رؤى، وقال: ـــ أيوة عنها. + سكت للحظات وكأنه يفكر في طريقة مناسبة لفتح الموضوع، ثم قال: ـــ يا حمد البنت صغيرة… اللي حصل منها كان غلطة… لكن والله العظيم اتغيّرت…
قاطعه حمد بصوت حازم: ـــ معتصم لو سمحت… أنا مش عايز اتكلم عن الموضوع ده… لما بفتكر بتعصب و انا عايز أفضل هادي عشان أركز في دراستي.. ـــ يا حمد استنى… لو تسمعني بس هتعرف… ـــ مفيش حاجة أسمعها… معتصم القرار انا أخدته من زمان ومش هرجع فيه. + كان صوته قاطعًا، لكن معتصم لم يستسلم… استند إلى الطاولة وقال بنبرة أكثر هدوءًا: ـــ طيب، مش عشانها… عشان أمك…أمي عايزة تشوفكم مع بعض… هنا، ارتفعت نبرة حمد، لكنها لم تفقد السيطرة:
ـــ أمي هتفهمني زي ما فهمتني قبل كده… أنا مش طفل يا معتصم… الموضوع ده منتهي بالنسبالي. + صمت معتصم للحظات، نظر إلى نافذة مكتبه حيث انعكست أشجار البلدة على الزجاج، كان بإمكانه أن يفتح الموضوع الذي كان يحمله بثقل على صدره: مرض أمه… لكنه تردد… لم يكن يريد أن يضيف إلى حياة حمد عبئًا جديدًا وهو غارق في دراسته. + ـــ طيب، خلاص يا حمد… على العموم، لو احتجت حاجة أنا هنا. ـــ شكراً، يا معتصم… خلي بالك من نفسك ومن أمي.