رساله ج الاخير

أمه ضحكت بصوت خافت، ثم نطقت بصعوبة. “الحياة مبتمشيش.. كيف ما احنا.. رايدين.. يا وليدي….بس أنت كنت طوالي في بالي… عمرك ما بعدت عن جلبي… مهما كنت بَعيد. وعمري… ما هزعل منيك يا حمد” + حمد ضمها إلى صدره وهو يرفع رأسه ليحاول السيطرة على نفسه، لكن قلبه كان مثقلاً بالذنب. “لو رچع بيا الزمن، ما كنتش هسيبك… كنت هكون چنبك، مهما كان، مهما حوصل.” + لقد أدرك في تلك اللحظة أن الندم لن يغير شيء، وأن الوقت قد فات على كل تلك اللحظات الضائعة. لكنه كان يعلم أيضًا أن أمه، في طيبتها الكبيرة، قد غفرت له بالفعل.

+ كانت تلك اللحظة أكثر من مجرد وداع، كانت لحظة عاطفية تختلط فيها مشاعر الندم والحب، وحمد كان يشعر وكأن قلبه قد انكسر بين يديه. في تلك اللحظة، اكتشف أنه مهما طال الزمن، تبقى أمه هي السند الوحيد في حياته، الذي لن يعوضه شيء. + جلس طويلا برفقتها حتى أصر عليه معتصم ليخرج معه لتناول الإفطار، فيبدو انه لم يأكل شيئا منذ علم بتلك الأخبار السيئة +

سار برفقة أخيه الى طاولة الافطار، فجلس معتصم على رأس الطاولة و عائشة على يمينه فجلس حمد على يساره، و بعد قليل أقبلت عليهم بفستانها الرقيق بلونه البني و حجابها البيچ ذي اللفة العصرية و هي تحمل في يدها دورق المياه، فوضعته على الطاولة بعدما ألقت عليهم تحية الصباح ثم اتخذت مقعدا بجوار عائشة كما اعتادت دائما… كان الإفطار قد وضع بعناية على الطاولة الكبيرة، تحيط به أجواء عائلية مليئة بالحنين، لكن تحتها اختبأت مشاعر متباينة.

+ “مين دي؟” كانت الفكرة الأولى التي قفزت إلى ذهنه حين رآها قبل أن يدرك الحقيقة. + ملامحها كانت مألوفة، لكن أسلوبها… وحتى طريقة وقوفها، شيء ما تغير تمامًا. أخذت خطوات واثقة نحو الطاولة الصغيرة التي يجلس عليها. ــ “حمد الله على السلامة يا واد عمي” قالتها بنبرة هادئة لكنها تحمل ذلك النضج الذي لم يعهده منها. + نظر إليها بذهول، للحظة لم يستطع أن يرد، عينيه استقرت على وجهها، ثم على حركتها وهي تجلس أمامه بهدوء، وكأنها لم تعد تلك الفتاة التي اعتاد على سماع صوتها الرقيق والخجول منذ عامين.

+ ــ “إنتِ… صافية؟” خرجت كلماته مشحونة بالدهشة، وهو يراقبها كأنه يراها للمرة الأولى. + ابتسمت، وردت بثقة غير معهودة: ــ “طبعًا أنا صافية… غريبة لَتكون مش فاكرني!” + صوته اختنق للحظة، ثم قال: ــ “لا… لا..مش للدرجادي يعني… بس… مش معقول ده صوتك؟ ولهجتك؟ إنتِ اتغيرتي أوي!” + ضحكت بخفوت، ثم رفعت حاجبها بتحدٍّ بسيط: ــ “السنتين اللي فاتوا علموني حاجات كتير… بس مش شايفة إني اتغيرت قوي.” +

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *