رساله ج الاخير

توسعت عيناه بصدمة و خوف في آنٍ واحد، ثم أغلق معتصم المكالمة بسرعة، و أسند رأسه إلى الحائط. داخل قلبه، كانت المعركة دائرة: هل هو بالفعل قادر على ترك كل شيء والعودة إلى بلدته؟ وهل سيمنحه هذا العزاء الذي يبحث عنه؟ + بعد دقائق من الصمت، اتخذ قراره… عليه أن يكون بجوار والدته مهما كانت الظروف. + في مكتبه الواسع، جلس هشام، زوج عائشة، يراجع الأوراق والملفات، اقتحم معتصم المكان بخطوات واسعة وحازمة، لكن تعابيره حملت مزيجًا من الإرهاق والعزم.

ـــ هشام، لازم أسافر للبلد النهارده… أمي تعبانة جدًا، وأنا مش عارف هرجع إمتى. نظر إليه هشام بدهشة: ـــ سلامتها يا كبير… بس متتأخرش..الشركة هنا محتاجة وجودك…. وإحنا في نص موسم الشغل. رد معتصم بنبرة قاطعة: ـــ عارف، بس مضطر… الشغل كله هسيبه في إيدك. عايزك تتابع كل حاجة وتبعتلي تقارير أسبوعية. أومأ بتأكيد: ـــ حاضر يا معتصم متقلقش… متشيلش هم حاجة.. و انا من ناحيتي هخلي عيشة تبقى تسافرلها بكرة تخلي بالها منها.. رفع يده بإشارة رفض:

ـــ لأ… خلي عيشة دلوقتي تهتم بنفسها و بالجنين… احنا ماصدقنا ربنا كرمكوا بعد السنين دي كلها… انا هتكفل بأمي لو هقعد تحت رجليها العمر كله.. حانت من هشام بسمة اعجاب ليقول بصدق: ـــ ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا كبير.. ربت على كتفه و هو يقول بجدية تامة: ـــ هشام انا هعتمد على الله ثم عليك في ادارة أملاكنا اللي هنا… لو في أي مشكلة تبلغني بيها فورا و نحاول نحلها سوا.. ـــ تمام يا معتصم…مش عايزك تقلق..

نظر له بابتسامة محبة: ـــ انا مش قلقان طول ما انت معانا… انت أخويا التاني يا اتش.. احتضنه بحب وافر ثم ودعه معتصم و خرج من الشركة ليستقل سيارته متجها الى شقته ليأخذ بعض الأشياء المهمة ثم استقل سيارته مرة أخرى مودعا القاهرة تاركا قلبه فيها مع حبيب قد فقد أمله في رجوعه. + في الطريق إلى بلدته، حاول معتصم الهروب من أفكاره المتشابكة. كان الطريق طويلاً، مليئًا بالذكريات المتناثرة، حيث بدا كل شيء يذكره بريم، تلك المرأة التي تخللت حياته وصارت جزءًا من روحه.

حاول إقناع نفسه بأنها أصبحت من الماضي، لكنها كانت حاضرة في كل نفس يتنفسه. + عندما وصل، وجد البلدة في حالة من السكون المريب، وكأن الأرض نفسها تتنفس بصعوبة. دخل الدوار حيث استقبلته والدته المسجاة بفراش المرض بابتسامة باهتة تخفي خلفها أوجاعًا لا تعد. جلس بجانبها، أمسك يدها وكأنها حبل النجاة الوحيد الذي يبقيه ثابتًا. قال بهدوء: ـــ أني هانا عشانك يا أمايا… مش هسيبك مهما حوصل. نزلت دمعة على وجنتها الباهتة من اثر المرض ثم تحدثت بصعوبة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *