رساله ج الاخير
في وسط هذه الأحاديث الجانبية، كان ذهن حمد مشغولًا بشيء آخر… حاول أن يستوعب أن صافية الصغيرة، التي تركها فتاة خجولة بالكاد ترفع صوتها، أصبحت الآن شابة تتحدث بثقة وإصرار. + ــ “إدارة أعمال؟” قالها بصوت خافت، وكأنه يكلم نفسه، لكنه لم يستطع أن يخفي استغرابه: ــ “ما كنتش متخيل… يعني… فكرتِ في ده لوحدك؟” + نظرت صافية إليه بابتسامة هادئة، ورفعت حاجبها بخفة: ــ “لا طبعاً..الفضل كله يرجع لربنا ثم ابيه معتصم”. + كانت كلماتها كأنها تصفعه، لكنها لم تكن بنبرة قاسية. كانت تحمل ذلك المزيج بين النضج والمرارة. شعر وكأنها تلمّح إلى شيء لم يقله أحد بصراحة.
+ حاول معتصم أن يخفف من التوتر الذي بدأ يتسلل بينهما: ــ “حمد… صافية دي لو دخلت المجال هتكون أخطر منافسة ليّا… أنا أهو بلّغتك من دلوقتي.” + ردت صافية بثقة: ــ “هو أنا لو نافستك يا كبير هكسب؟! ” + ضحك الجميع، لكن حمد لم يستطع أن يشاركهم الضحك… كانت كل كلمة منها تجعله يدرك كم أصبح بعيدًا عن هذه الحياة، وكم فاته أن يرى هذا التغير يحدث أمام عينيه. + لم تستطع صافية أن تتجاهل نظراته، فقررت أن ترد بعض الكلمات التي علقت في حلقها:
ــ “كنت متوقع تشوفني زي ما أنا؟ مفيش حد بيبقى زي ما هو بعد سنتين.” + شعر حمد وكأن الهواء قد سُحب من المكان… كانت كلماتها تحمل الكثير، أكثر مما توقّع. ابتلع ريقه، وحاول أن يبدو طبيعيًا، لكنه لم يستطع إخفاء ارتباكه. + “زي ما هي قالت… مفيش حد بيبقى زي ما هو… وأنا اللي بعدت، مكنتش متوقع التغيير ده.” + قبل أن يسترسل في أفكاره، تدخلت عائشة مجددًا: ــ “حمد، خلّيك معانا شوية… صافية ممكن تكون بنت صغيرة، لكن والله كلامها أكبر من سنها. أوقات بحس إنها كبيرة عن عمرها بكتير.”
+ ابتسمت صافية بخفة، بينما أكمل معتصم الحديث بمزاح: ــ “هي أصلًا لسانها اللي بيكبرها عن سنها.” + في تلك اللحظة، ضحكت صافية، ضحكة كانت مليئة بالحياة، لكن حمد شعر بشيء مختلف… كانت الضحكة تنبع من قلب لم يعد كما كان، قلب تعلم أن يتحمل أكثر مما يجب. +
انتهى الإفطار و بقي حمد ملازما لغرفة أمه المريضة لم يتركها إلا حين تحين الصلاة، قضى يومه معها غارقا في أمواج مشاعره المتلاطمة، فتارة يفكر في أمه و خوفه من فقدانها… و تارة أخرى في مشاعره تجاه صافية و ما وصلت إليه من تغيير جذري..كلامها.. حركاتها… عقلها الذي اصبح أكثر حكمة.. صوتها.. شكلها.. كل شيئ فيها تطور بدرجة كبيرة و بوتيرة سريعة.. لم ينسى يوما أنه كان يميل لها و أنه كان يخطط لإتمام زواجهما متى كبرت… و لكن موقفها الغبي الذي دفعه للسفر و الهرب منها هو ما غير كل مخططاته..