رساله ج الاخير

بل كان يتعلق بالحاجة إلى الشعور بالعودة إلى مكانٍ آمن، مكانٍ يجمعهما معًا رغم كل ما مرت بهما من آلام. + صافية التي لم تستطع مقاومته بعد كل هذا الوقت، أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقترب منه أكثر. “أنا مش هقدر أعيش من غيرك…متسبينيش تاني..انا.. انا.. بحبك يا حمد” + حمد، الذي شعر بكل كلمة قالتها، اقترب منها أكثر، وعيناه تحملان اعتذارًا غارقًا في الشوق و هو يضمها بقوة تعبر عن عمق مشاعره مغمغما “و أنا بعشقك يا صافية”

كانت تلك اللحظة أكثر من مجرد اشتياق جسدي؛ كانت بداية جديدة، مشحونة بالأمل، بالرغم من كل شيء. + بينما كانت أنفاسهما تلتقي، تلاشى كل شيء حولهما. أصبح الزمن غير مهم، وكل ما كان يعنِي لهما هو أن يكونا معًا، أخيرًا، بعد هذه المدة الطويلة. الفصل الاربعون 40 كان صباح البلدة باكرًا، تسيطر عليه الأجواء الهادئة التي سبقت الحدث الجلل، ومع أول أشعة شمس تعكس ضوءها على الأرض، كان معتصم جالسًا بجانب سرير والدته، ملامحه شاحبة، وعينيه غائرتين من السهر والهموم.

كانت الأم التي طالما كان يراها في صورته المثالية، في حالة من المرض الذي أخذ منها كل شيء، قلبه كان يعتصره الألم، وتساءل في نفسه ما إذا كان قد فعل ما يكفي لها طوال حياتها. + منذ أكثر من عامين قرر ترك كل شيء في القاهرة؛ أعماله، وأصدقائه، وكل شيء كان يتعلق بحياته المزدحمة، ليعود إلى البلدة التي نشأ فيها، ليكون بجانبها، يعتني بها في أيامها الأخيرة. كل تلك الأيام التي قضاها بجانبها، غارقًا في محاولاته المستمرة للسيطرة على مشاعره، خوفًا من الفقد، كانت تنتهي الآن بمـ,ـوتها.

+ وفي لحظة الوداع، التي كانت أكثر صمتًا من أي وقت مضى، توفيت الأم بين يديه، وسط صرخات من أخوته الذين تجمعوا حول السرير، مشهد لا يمكن لعقل معتصم أن يتخيله، حتى وهو يشاهد اللحظة بعينيه. + معتصم: “خلاص يا امايا؟” كان صوته خافتًا، يكاد لا يُسمع، ولكن الكلمات كانت تطير من بين شفتيه، عجزًا عن تحمل الحقيقة. + أخوته بدأوا في البكاء، وصوت العويل ملأ المكان، أما البلدة كلها فقد أصابها الحزن العميق، حيث توافد الجيران والأصدقاء لتقديم واجب العزاء، كانت أجواء البلدة تُشبه السكون بعد العاصفة، الجميع متأثر بالحزن الذي لا يُحتمل.

+ لم يكن الأمر مجرد فقد شخص عزيز، بل كان فقدًا لحياة كاملة، لأم كانت تعتبر عماد الأسرة، وصوتها الذي كان يملأ المكان. معتصم شعر وكأن قلبه قد انكسر، والوقت توقف بين يديه، وكأن العالم كله ينهار من حوله. + منذ اللحظة التي قرر فيها أن يترك كل شيء ويعود ليكون بجانبها، وهو لا يعلم أن هذا القرار سيتحول إلى آخر لحظات حياته التي سيقضيها في رعايتها. كان يراقبها بحب، يحاول أن يعوض كل لحظة غياب، وكل لحظة كان يعتقد أنه كان يستطيع أن يساندها أكثر فيها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *