رساله ج الاخير

انتفضت فجأة وهزت رأسها بحزم، محاولة إنهاء النقاش الداخلي: “لأ، مش هسمح لنفسي. ده مجرد حنين عابر… رؤية حد كان جزء من حياتي. بكرة هفوق، بكرة هرجع لحياتي، وكأن مفيش حاجة حصلت.” + لكن الحقيقة التي لم تستطع إنكارها كانت تهمس من أعماقها: الحنين لا يعرف الغد، ولا يحتاج إذنًا ليبقى. +

عقب انتهاء حفل الدمج الذي كان آسر و مودة و معهما والدها مدعوين فيه أصر محمد على آسر أن يكمل سهرته معهما في منزله قاصدا من ذلك تصليح العلاقة بينه و بين مودة التي انقطعت لأكثر من عامين ما أثر بالسلب على نفسية ابنته، و أكثر ما يخشاه أن يرهق قلبها من ذلك الحزن و تعود لنقطة البداية.. آسر فهم محمد تماما، فكم من مرة لمح فيها ترحيبه بوجود علاقة بينهما ربما تنتهي بالزواج. +

في غرفة المعيشة، الجو كان مشحونًا بالصمت الثقيل، كأن كل الأنفاس معلقة بانتظار شيء مجهول. مودة جلست على الأريكة، يداها مشدودتان على صدرها، وعيناها تائهتان. أما آسر، فوقف قرب الطاولة، عينيه مليئتان بالغموض والغضب، لكنه يحاول أن يسيطر على مشاعره التي تكاد تفلت منه. كان محمد قد أشعل فتيل الحوار حين قال:

ـــ لحد امتى يا ولاد هتفضلوا تهربوا من مشاعركم… انا عارف يا مودة انك بتحبي آسر.. و انت يا آسر.. أنا متأكد انك بتميل لمودة بس بتحاول تقاوم بسبب احساسك بالذنب تجاه ميري الله يرحمها.. بس لحد هنا و كفاية يابني.. كفاية تعذبوا في نفسكم… هو انتو هتعيشو العمر كام مرة؟! + تنهد آسر بعمق ثم قال و هو ينظر في اللاشيئ: ـــ عندك حق يا عمي… و أنا مستعد أكمل معاكي يا مودة.. +
مودة (بصوت متحشرج ومشبع بالألم): ـــ “آسر… أنا مش فاهمة، إزاي هنقدر نكمل وإحنا كلنا محبوسين في الماضي؟! أنا بحبك، بس بحس إنك مش شايفني أنا… كأنك بتدور على ميريهان فيا.” + آسر (يضـ,ـرب الطاولة بقبضة يده، صوته متحشرج بالغضب): ـــ “مش عارف أهرب من إحساسي يا مودة! كل مرة ببصلك… كل مرة، بحس إن في حاجة مش متكاملة. بحس إني مش قادر أحبك بالطريقة اللي تستحقيها… وأنا بكره نفسي على ده!” + مودة (تنفجر بالبكاء، وتضع يدها على قلبها):

ـــ “وإنت فاكر إن ده سهل عليا؟! أنا كمان بحارب… بحارب إحساس إنك بتحبني بس علشان أنا شبهها، علشان قلبي…” + (محمد، الذي كان جالسًا في الزاوية، ينهض فجأة، عينيه تفيض بالحزن، وصوته يرتعش حين يتحدث): ـــ “كفاية! كفاية بقى… اللي بتقولوه دا ليه أسبابه” + (يلتفت إليه الاثنان بذهول. مودة تنظر إليه وكأنها لا تفهم، بينما آسر يخطو خطوة للأمام بتوتر.) + مودة: ـــ “إيه اللي تقصده يا بابا؟ ليه بتقول كده؟” + محمد (يتنهد بعمق، وعينيه تترقرقان بالدموع):

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *