رساله ج الاخير
ـــ “راغب.” +
اتسعت عيناها برهبة، بينما استرسل معتصم بمكر وهو يراقب التحول التدريجي لملامحها من الغضب إلى الذهول: ـــ “راغب هكرلي كل حساباتك… وعن طريقه عرفت شغلك الزبالة اللي كنتي بتعمليه من ورا ضهري لما بسافر البلد…. عمارة الدعارة والشقق المفروشة يا نرمين هانم.” + هوت كلمات معتصم كلكمات متتالية، وكادت أن تسقط أرضًا من أثر الصدمة. ارتعشت يداها وهي تحاول إخفاء خوفها، بينما أكمل بنبرة مليئة بالاشمئزاز: +
ـــ “أنا معادش يهمني تبقي إنسانة شريفة ولا وسخة… لأن مفيش أي صلة تربطني بيكي… والحمد لله إني طلقتك وطهرت اسمي من دنائتك… بس متفتكريش إني هعديلك اللي عملتيه معايا أنا و ريم بسهولة كده. زي ما دمرتينا، هدمرك يا نرمين… وعايزك بس تفتحي بوقك أو تعترضي… لأني ساعتها مش هسمي عليكي ولا هرحمك… كل أعمالك المشبوهة هبلغ بيها الأمن الوطني، وشوفي مين هيعرف ينجدك… ولا حتى أخوكي اللي فاكر نفسه أبو المفهومية.” + علت وتيرة أنفاسها، وأحاطها الخوف كقفص مغلق، كل خطوة خطتها نحو السيطرة تحولت إلى حبل التف حول عنقها… لم تجد أمامها سوى الانكسار، فقالت بصوت مهزوز:
ـــ “والمطلوب؟!” + ابتسم معتصم بانتصار، ثم ألقى أوامره بصرامة: ـــ “تسيبي مصر من بكرة وتسافري لأخوكي، ومشوفش وشك تاني… وأنا عملت بأصلي معاكي وسيبتلك العربية والفيلا… قلبي الطيب قالي حرام تباتي في الشارع وتركبي مواصلات… يا ربة الصون والعفاف.” + ألقى عبارته الأخيرة بسخرية لاذعة جعلتها تغلي من الداخل، لكن خوفها كان أقوى من حقدها. غادرت المكتب بخطوات متعثرة، وهي تشق الأرض بقدميها وكأنها تحمل على كاهلها جبالاً من الفشل. + — + مر يومين مشحونين بالأحزان فقط….
+ وقف آسر أمام نافذة غرفته، يتأمل الأفق البعيد بعينين غائمتين… لا يزال صوت صرخة تلك الليلة يتردد في أذنيه، والرجفة التي اجتاحت جسده حين كادت تفقد حياتها أمام عينيه. + “مودة…” همس لنفسه بصوت متعب، كأنه يحاول وزن الاسم في قلبه دون جدوى. + طُرق الباب برفق، فاستدار ليجد والده يخبره بأن مودة تنتظره بالصالون. تفاجئ بمجيئها لبيته بمفردها و لكنه هز رأسه و أومأ لأبيه بعدما تنهد بترقب لذلك اللقاء الذي يخشاه كثيراً بعد لقائهما الأخير.
دلف الغرفة و ترك بابها مفتوحا، فنظر لها بعمق ليرى ملامحها شاحبة، لكن نظراتها تحاول التماسك… ابتسمت بخجل، ثم قالت: + ـــ ممكن نتكلم شوية؟ + أشار لها بالجلوس، لكنه لم يجلس، بقي واقفًا وكأن الأرض تحته ستنهار. + ـــ أنا آسفة على اللي حصل في فرح ريم… ما كانش قصدي أضايقك ولا أضغط عليك. + نظر إليها طويلًا، كأنه يحاول فهم تلك الفتاة التي تقف أمامه. شعر بالذنب تجاهها، لكنه أيضًا يعلم جيدًا أن قلبه ليس لها.