رساله ج الاخير
لكنه لم يكن يصدقها… كانت كل حركة، كل كلمة تقولها، تشير إلى أنها ليست تلك الفتاة التي تركها… كان صوتها الآن يحمل نبرة واثقة، ولهجتها أصبحت أقرب إلى نبرة المدن، كأنها تخلّت عن رنة الكلمات البسيطة التي كانت تميزها. + ــ “معقولة؟… إنتِ فعلًا صافية؟” قالها مجددًا، هذه المرة وكأنه يسأل نفسه. + ابتسمت بهدوء، و وضعت يديها على الطاولة: ــ “طبعًا أنا… واضح إنك كنت متوقع تلاقيني زي ما كنت زمان؟ الحياة مش بتوقف عند حد يا حمد.”
+ كلمتها الأخيرة أثرت فيه بعمق، لكنه لم يُظهر ذلك. كان يتأملها، يحاول استيعاب التغيير الذي لم يُعطِه أحدٌ تحذيرًا بشأنه… معتصم لم يخبره…بل بالأحرى لم يُعطه حمد الفرصة ليخبره. + في داخله، صراع مشتعل… كان جمالها مختلفًا، أعمق مما تخيله… لكنه في الوقت نفسه شعر بمزيج من الذنب والارتباك. “إزاي كده؟ إزاي كبرت واتغيرت بالشكل ده؟… معقول دي صافية اللي كنت فاكرها مجرد طفلة؟” + لكنه أجبر نفسه على الحديث: ــ “واضح إنك كنتي مشغولة أوي السنتين اللي فاتوا.”
+ أجابت بابتسامة خفيفة: ــ “الحياة بتعلّم… وأنا كان لازم أتعلم عشان ألحقها.” + كانت كلماتها كأنها سهم أصاب قلبه، أدرك أن هذه ليست صافية الصغيرة التي كان يستطيع أن يقرأ أفكارها بسهولة، الآن أصبحت لغزًا جديدًا، مليئًا بالتناقضات التي لم يكن مستعدًا لها. + في داخله، اعترف بصمت: “واضح إني غلطت لما بعدت… لكن برضو كانت هي السبب…” + أما هي، فبينما كانت تراقبه، شعرت بشيء غريب. نظراته، طريقته في الحديث، وكأنهما غريبان يحاولان فهم ما حدث بينهما خلال تلك السنوات الضائعة.
و في خضم حوارهما العميق كان معتصم و عائشة يتابعان ردود أفعالهما في صمت تام.. + على الطرف الآخر، كان حمد يتناول لقيماته بصمت، عيناه تراقبان صافية دون أن يشعر، كانت تجلس بهدوء، لكن الطريقة التي كانت تتفاعل بها مع الحديث تكشف عن شخصية لم تعد كما كانت. + قطع معتصم صمت حمد فجأة، متحدثًا بنبرة ودودة: ــ “على فكرة يا حمد، صافية قربت تخلص الثانوية العامة…. كمان كام شهر وتكون في الجامعة.” + رفع حمد نظره ببطء، غير قادر على إخفاء دهشته.
ــ “في الجامعة؟!” قالها بنبرة مليئة بالتساؤل والذهول، وكأنه سمع شيئًا يستحيل تصديقه. + ابتسمت صافية بخفة، نظرت إلى طبقها ثم رفعت رأسها لتواجهه مباشرة. ــ “آه، كنت في أولى ثانوي لما سافرت… دلوقتي خلاص… قربت أخلص.” + تابعت عائشة الحديث بفخر: ــ “وبإذن الله هتدرس إدارة أعمال… معتصم بيشجعها دايمًا إنها تدخل مجاله بيقول إنها عندها عقل يوزن بلد.” + ضحك معتصم، وأردف ممازحًا: ــ “ده مش تشجيع يا طنط، ده استثمار!” +