رساله ج ٥
أحست أمها ببعض الغيرة حين ابتسمت لأبيها و لم تنل منها تلك البسمة الصافية المحبة و أدركت أن هناك شيئا ما يجري بغرابة في ابنتها الحبيبة…فلم يكن ذلك موقفها منها مسبقاً. قام والدها باسنادها حتى جلست على الكرسي المتحرك ثم خرجوا جميعا من الغرفة باتجاه المصعد حتى خرجوا من المشفى متجهين الى سيارة أدهم. فتح آسر الباب الخلفي لمودة و لكنها لم تستطع الركوب نظرا لقلة لياقتها من طول فترة مكوثها بالفراش، فهز رأسه و هو يقول لها بلطف:
ـــ خلاص متضغطيش على نفسك…انا هساعدك. قاطعه محمد قائلا: ـــ طاب على ما تركبها هروح الاستقبال اتأكد ان الحساب خلصان.. ـــ تمام يا عمو اتفضل انت. تدخلت أم مودة: ـــ طاب افتحلي شنطة العربية عشان أشيل الشنط دي فيها.. ـــ حاضر يا طنط. فتح لها حقيية السيارة ثم تركها تضب اغراص مودة و عاد اليها، فقام باسنادها من خصرها لتدخل السيارة و لكن قربه منها بهذه الطريقة قضى على ما تبقى لديها من ثبات و أصبحت قدماها كالهلام فلم تستطع رفعهما، فتنهد بحيرة و لم يجد بدا من حملها فهي في كل الأحوال خفيفة الوزن و لن تجهده.
باغتها بانحناؤه عليها و حملها حتى أسندها الى صدره ثم دلف بها الى السيارة، و حين وضعها على المقعد اصطدمت رأسه برأسها لينظر لها معتذرا، فرآها تبادله بنظرة هائمة و كأنها مغيبة…و كأنهما انفصلا عن العالم في لحظة من التواصل البصري تسارعت خلالها نبضات قلبيهما، فبدون وعي من مودة أمسكت بكفه و وضعته على موضع قلبها ثم قالت له بنبرة تائهة و هي تبتلع رمقها: ـــ حاسس بقلبي. كان قلبها حقا يقرع بصدرها كالطبول، ينبض بعنف تحت كفه، و لم يكن حال قلبه أقل منها.
تزلزل كيانه و تبعثرت روحه خلال تلك اللحظات التي قطعتها مجيئ والدتها تقول بصوت مرتفع: ـــ خلاص يا آسر مودة قعدت؟! عاد لرشده بعدما ابتعد عنها بتوتر خارجا برأسه من السيارة ثم هز رأسه بموافقة و هو يبتلع رمقه بارتباك: ـــ اه اه تمام… انا هدور العربية على ما عمو محمد ييجي. بعد عدة دقائق كان آسر قد انطلق الى منزل حماه و قد كان يقود و هو شاردا فيما حدث بينه و بين مودة قبل قليل حتى أنه من فرط شروده ضل الطريق..
و لم يكن حال مودة بأقل منه، فتارة تهيم به و بعينيه عبر مرآة السيارة الامامية و تارة أخرى تنهر نفسها و تشعر بالذنب تجاه أختها أن دق قلبها لقلب يخصها. يوم جديد اتى بأحداث جديدة… حيث أرسل راغب سيدتان غليظتان تبدو عليهما أمارات العنف و الاجرام قامتا بمراقبة المشفى ينتظران خروج ريم حتى تنفذان المهمة المسندة اليهما…